البقرة · الآية 127

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

(ر ف ع): «يَرفَعُ القواعدَ» بُنيةٌ متناقضةٌ ظاهراً

التعبيرُ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ يَحمِلُ تَوَتُّراً دَلاليّاً مقصوداً: القواعدُ تُوضَعُ في الأرضِ ولا تُرفَع، وقد استُعمِلَ «يَرفَع» فيما يُؤَسَّسُ في العُمق، والإجابةُ عن ذلك في بُنيةِ القرآنِ نفسِه: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وفي فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ، فما ثُبِّتَ في الأرضِ بِنيّةٍ خالصةٍ يَبلُغُ حقيقتُه السماء. و«الرفعُ» في الآيةِ إعلانٌ ضِمنيٌّ أنّ البناءَ قد قُبِل: اللهُ رَفَعَ قواعدَه في عالَمِ المعنى لَمّا تَقَبَّلَه. والحَرَكَةُ العُليا تُقاسُ بمدى ما يَصِلُه الفعلُ من قَبولٍ إلهيّ، ولا تُقاسُ بالارتفاعِ الفيزيائيّ.

(ق ع د): القواعدُ رُسوخٌ يَطلُعُ من العمقِ إلى الظاهر

و«القواعدُ» جمعُ قاعدة، من جذر (ق ع د)، والنواةُ (ق ع) قوّةٌ عميقةٌ تَظهَر، ثمّ (د) احتباسٌ وامتدادٌ يُثَبِّت، فالقاعدةُ رُسوخٌ في العُمقِ يَطلُعُ منه الظاهرُ ويَستَقِرّ. ومن هذا الجذرِ جاءت «القواعدُ من النساء» اللواتي ثَبَتنَ في مَواضِعِهنّ فلا يَضطَرِبنَ عنها، و«قَعَدَ» للمَلازِمِ الذي لا يُغادِر. فقواعدُ البيتِ هي العُمقُ الإلهيُّ الذي منه يَطلُعُ كلُّ ما بُنِيَ فوقَه، زيادةً على أنّها حَجَرٌ أوّل. ومِن هنا قرينةُ الرفع: ما يَنبُعُ من عُمقٍ راسخٍ يَستَحِقُّ أن يُقالَ له «مرفوع» وإن كان ظاهِرُه في الأرض.

(ق ب ل): تَقَبَّلْ مِنَّا الفِعلُ لا يَكتَفي بالإنجاز

و«تَقَبَّلْ» من جذر (ق ب ل)، والنواةُ (ق ب) عُمقٌ يَظهَرُ منه ما يَطلُع، ثمّ (ل) تَعَلُّقٌ يَلتَصِق، فالقَبولُ استقبالٌ من العُمقِ يَلتَصِقُ به. وحينَ يَطلُبُ إبراهيمُ وإسماعيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا وهُما في خِضَمِّ البناءِ المأمورِ به، فهما يُعلِنانِ أنّ الفِعلَ الصادِرَ عن أَمرٍ إلهيٍّ لا يَكتَفي بإنجازِه الحِرَفيِّ حتى يَتَقَبَّلَه الله، والصَنعَةُ الظاهرةُ ناقصةٌ ما لم يَستَقبِلها المَصدَرُ في عُمقِه. وهذا أدَبُ العَمَلِ الدينيِّ كلِّه: البِناءُ يَصدُقُ بقَدرِ ما يُتَوَجَّهُ به لا بقَدرِ ما يُتقَن.

تقديمُ إبراهيم وإلحاقُ إسماعيل: بِنيةُ الإمامةِ في السياق

وقد قَدَّمَتِ الآيةُ إبراهيمَ اسماً وفِعلاً، ثمّ ألحَقَت إسماعيلَ عَطفاً، وهذا الترتيبُ يُظهِرُ بِنيةَ الإمامةِ التي جُعِلَ لها إبراهيم في آيةِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، ولا يَنفي شَراكةَ إسماعيل في العَهد (فقد ثَبَتَ شراكتُه قَبلَ آيَتَين طَهِّرَا بَيْتِيَ). فالإمامُ مُقَدَّمٌ في الذِكرِ كما هو مُقَدَّمٌ في الفِعل، والمَعِيَّةُ لا تُلغي التَقَدُّم، وهذا التَرتيبُ المِعماريُّ في الآيةِ مِرآةٌ للتَرتيبِ الوظيفيّ: القائدُ الإمامُ أمامَ الصَفّ، والمُعاوِنُ في مَوقِعِه دون أن يَنقُصَ من شَراكتِه شيء.

السَّمِيعُ الْعَلِيمُ لا الْبَصِيرُ: قَبولُ الباطنِ لا المَبنى

وخَتَما دعاءَهما باسمَين بعيدَين عن المَشهدِ الحِسِّيّ: السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. والبناءُ بناءٌ مرئيّ، ولو قالا «البصير» لَوَقَعَ ذلك في مَوقِعِه، غيرَ أنّ اختيارَ «السميع» يَكشِفُ أنّ طَلَبَهما واقعٌ على النيّةِ الباطنة، دون المَبنى الظاهر: السَّمِيعُ لِما لا يُقال، والْعَلِيمُ بما لا يُرى. فكأنّهما يقولان: نَعلَمُ أنّك تَرى الحَجَر، والذي نَطلُبُه أن تَستَقبِلَ ما في قلوبنا ممّا لا يَراه أحدٌ سِواك. وبهذا يَتَحَوَّلُ البناءُ من مُنتَجٍ حِسِّيٍّ إلى صلاةٍ طويلة، ويَتَحَوَّلُ المِعمارُ إلى نَجوى، وتلك بنيةُ العَمَلِ المَقبول: باطنٌ يُرفَعُ وظاهرٌ يَستَنِدُ عليه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «رَفعُ القواعِد» في الآيةِ بُنيةٌ دلاليّةٌ تُعلِنُ قَبولَ الله للبناء، و«تَقَبَّل مِنّا» تَقريرٌ لأنّ الفِعلَ يَصدُقُ باستقبالِ المَصدَرِ له، لا بإنجازِه الحِرَفيّ. فالصَنعَةُ وَظيفة، والنيّةُ تَسبِقُ المَبنى، والقَبولُ يَسبِقُ الإنجاز.


حَصيلة

التَّعبيرُ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ يَحمِلُ تَوَتُّراً دَلالِيّاً مَقصوداً: القَواعِدُ من ق-ع-د رُسوخٌ في العُمقِ يَطلُعُ منه الظّاهِرُ ويَستَقِرّ، ولا تُرفَعُ بِالمَعنى الحِسِّيّ، ومَحَلُّ النَّظَرِ أن يُقالَ فيها «يَرفَعُها»، والجوابُ في البِنيَةِ ذاتِها: ما ثُبِّتَ في الأرضِ بِنِيَّةٍ خالِصَةٍ يَبلُغُ حَقيقَتُه السَّماء، فـ«الرَّفعُ» إعلانٌ ضِمنيٌّ بِأنَّ البِناءَ قُبِل. وإبراهيمُ في الآيةِ مُقَدَّمٌ اسماً وفِعلاً وإسماعيلُ مُلحَقٌ بِالعَطف، تَجسيداً لِبِنيَةِ الإمامَة، وليسَ ذلك تَقليلاً من شَراكَتِه التي ثَبَتَت بِصيغَةِ المُثَنّى قَبلَ آيَتَين: الإمامُ أمامَ الصَّفِّ والمُعاوِنُ في موضِعِه دونَ أن يَنقُصَ من شَراكَتِه شَيء. وخِلافاً لِما كانَ يُتَوَقَّعُ من بَنّاءٍ يَنتَهي من عَمَلٍ ضَخم، عَدَلا عن «الْبَصِيرُ» الذي يَرى المَبنى إلى السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: السَّميعُ من س-م-ع تَلَقٍّ يَحمِلُ القَصدَ إلى صاحِبِه، ولا يَقِفُ عِندَ وُصولِ الصَّوت، والعَليمُ بِما لا يُرى. فكَأنَّهُما يَقولان: تَرى الحَجَرَ، والذي نَطلُبُه قَبولُ ما في القُلوبِ ممّا لا يَراه أحَدٌ سِواك. وبِهذا يَتَحَوَّلُ المِعمارُ من مُنتَجٍ حِسِّيٍّ إلى صَلاةٍ طَويلَة، والصَّنعَةُ تَصدُقُ بِاستِقبالِ المَصدَرِ لَها، لا بإتقانِها.