البقرة · الآية 63

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

«مِيثاقَكُم» جذر (و ث ق): رِباطٌ جامِعٌ مُحكَمٌ لا مُجَرَّدَ عَهد

يُبدَأُ مِنَ الاختِيارِ اللُّغَويِّ الأَوَّل، وهو العُدولُ عن «وإذ أَخَذنا عَهدَكُم» إلى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾، والفَرقُ بَينَ العَهدِ والميثاقِ فَرقٌ جَذريّ. والعَهدُ من (ع ه د) يَقَعُ في دائِرةِ المَعرِفةِ المُتَكَرِّرة، وهو تَعاقُدٌ ظاهِرٌ على أَمرٍ مَعلوم. وأَمّا الميثاقُ فمِن (و ث ق)، وهو جِذرٌ تَتَضامُّ فيه ثَلاث: (و) وَصلٌ ورَبط، و(ث) تَناثُرٌ وتَفَتُّت، و(ق) قَطعٌ وإحكام. فالنَّواةُ (وث) وَصلٌ يَلُمُّ ما كانَ يَتَناثَرُ ويُحكِمُه، ثُمَّ تَأتي (ق) قَطعاً يُغلِقُ ويُثَبِّت، فالميثاقُ حَرفيّاً رِباطٌ جامِعٌ مُحكَمٌ قاطِع، وحَبلٌ يَلُمُّ المُتَفَرِّقَ ثُمَّ يُحكِمُ إغلاقَه، ولِذا سُمِّيَ بِه الوَثاقُ (ما يوثَقُ بِه الأَسير). وفي هذا السِّياقِ يَكشِفُ الجِذرُ ثِقَلَ ما أُخِذَ على بَني إسرائيل، فهو تَعاقُدٌ ثَلاثيُّ الفَتلِ (إقرارٌ قَلبيّ + إقرارٌ لَفظيّ + إقرارٌ عَمَليّ) يَشُدُّ الإنسانَ إلى ما قَبِلَ بِه شَدّاً يَتَعَذَّرُ مَعَه الانفِكاك، ولا يَنحَصِرُ في قَولِ «نَعَم نَقبَل».

«وَرَفَعْنا فَوقَكُمُ الطُّورَ» (ط و ر): حَدٌّ يُحيطُ ويَمتَدّ، صورةُ ثِقَلِ الأَمانة

ويَكشِفُ جِذرُ (ط و ر) أَنَّ «الطُّورَ» بِنيةٌ دَلاليّةٌ قَبلَ أَن يَكونَ جَبَلاً، زيادةً على أنَّه اسمُ جَبَل. (ط) فيه اشتِمالٌ بِضَغط، و(و) اشتِمالٌ بِاحتِواء، و(ر) استِرسالٌ وامتِداد، فالطُّورُ حَرفيّاً حَدٌّ يُحيطُ ثُمَّ يَمتَدّ، ومِنه «الطَّور» بِمَعنى المَرحَلةِ والحَدِّ والرُّتبةِ يُنتَقَلُ مِنها إلى ما بَعدَها. ورَفعُ هذا الحَدِّ فَوقَ الرَّأسِ صورةٌ وليسَ تَهديداً، فهو مِقياسٌ بَصَريٌّ لِما كانَ يُقبَلُ تَعاقُداً. فما يَقومُ في الأُفُقِ أَمامَ المُتَعاقِدِ يَرسُمُ لَه حَجمَ الالتِزامِ الذي دَخَلَ فيه، وبِه يُفهَمُ إيثارُ المَشهَدِ بِهذه الصّيغةِ على صيغةِ أَمرٍ مُجَرَّد. والجَبَلُ هُنا تَرجَمةٌ مَرئيّةٌ لِثِقَلِ ما يُؤخَذ: ما يُؤخَذُ بِلا جِدّيّةٍ لا يَثبُت، ومَن رَأى فَوقَ رَأسِه جَبَلاً مَرفوعاً فَهِمَ أَنَّ الاتِّفاقَ لَيسَ كَلاماً عابِراً.

«خُذوا ما آتَيناكُم بِقُوَّةٍ» (ق و ي): الأَخذُ تَفاعُلٌ حاسِمٌ لا تَلَقٍّ رَخو

وأَمّا «القُوّةُ» هاهُنا فجِذرُها (ق و ي) يَكشِفُ أَنَّها طاقةٌ عَميقةٌ مُحيطةٌ مُمتَدّة: (ق) عُمقٌ وشِدّة، و(و) احتِواء، و(ي) مَدٌّ وامتِداد. فقَولُه خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ لا يَحتَمِلُ التَّلَقّيَ الرَّخوَ ولا التَّسجيلَ البَصَريَّ المُجَرَّد، والأَخذُ فيه تَفاعُلٌ يَسري في طَبَقاتِ النَّفسِ كُلِّها: عَقلٌ يَفهَم، وقَلبٌ يَعقِدُ على القَبول، وجِسمٌ يُحَرِّكُ بِه وَفقَ ما فيه. وتُوازيه الصّيغةُ نَفسُها في أَمرِ مُخاطَبٍ آخَر: يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، وقد قيلَ ذلك لِيَحيى مَعَ أَنَّه كانَ صَبيّاً. فـ«بِقُوّة» اقتِضاءٌ لِدَرَجةِ الحُضورِ الدّاخِليِّ عِندَ تَلَقّي العَهد، وليسَت اقتِضاءً لِلسِّنِّ ولا لِلعَضَلة. والذي يَأخُذُ كِتابَه بِقُوّةٍ يُفَعِّلُه في حَياتِه قَراراً قَراراً، ولا يُحَوِّلُه إلى وَثيقةٍ تَستَقِرُّ في الرُّفوف.

«واذكُروا ما فيه لَعَلَّكُم تَتَّقون» (ذ ك ر)+(و ق ي): الذِّكرُ يُفَعِّلُ جِهازَ الوِقاية

ويَتَعَقَّبُ الشَّرطُ الأَخيرُ نَتيجةً سُنَنيّةً من فِعلَين: (ذ ك ر) و(و ق ي). والذِّكرُ في جِذرِه إعادةُ حُضورٍ لِلمَضمونِ في ساحةِ الوَعيِ والسُّلوك، ولا يَقِفُ عِندَ التَّذَكُّرِ الذِّهنيّ، والمُرادُ أَن يَعودَ ما في الميثاقِ حاضِراً في قَراراتِ اليَوم، ولا يَظَلَّ مَحفوظاً في ذاكِرةِ الشَّبابِ الأَوَّل. والتَّقوى من (و ق ي)، وهي وِقايةٌ جِهازيّة، وحاجِزٌ فَعّالٌ يُدَبَّرُ مُسبَقاً بَينَ النَّفسِ وما يُتلِفُها. والرَّبطُ بَينَهُما رَبطُ عِلّةٍ وأَثَر: اذكُروا ما في العَهدِ حُضوراً عَمَليّاً فيُرَكَّبَ لَكُم مِنَ الذِّكرِ وِقاءٌ يَقيكُم عَواقِبَ نَقضِه. ولِذا جاءَ الخَتمُ بِـلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ دونَ «لِكَي تَذكُروا»: الذِّكرُ مَدخَل، والتَّقوى هي المَخرَج. وجِهازُ الوِقايةِ يَنشَأُ من إعادةِ تَحضيرِ مَضمونِ العَهدِ في كُلِّ مَوقِفٍ يَعرِضُ لِلفَرد، ولا يَعمَلُ في فَراغ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فما أُخِذَ على بَني إسرائيلَ «ميثاقٌ» ثُلاثيُّ الفَتلِ (و ث ق) غَيرُ «عَهدٍ» عاديّ، وما رُفِعَ فَوقَهُم «حَدٌّ يُحيطُ ويَمتَدّ» (ط و ر) يُرى حَجمُ الاتِّفاقِ في ارتِفاعِه، وليسَ تَهديداً، وما أُمِروا بِأَخذِه «طاقةٌ عَميقةٌ مُحيطةٌ» (ق و ي) تُصَرِّفُ العَهدَ في الحَياة، وهي غَيرُ التَّلَقّي الرَّخو. والمَطلوبُ بَعدَ ذلك اجتِماعُ فِعلَينِ يَعمَلانِ مَعاً: إعادةُ الحُضورِ (ذ ك ر) التي تُولِدُ جِهازَ الوِقايةِ (و ق ي). فالدَّورُ المَطلوبُ مِنَ المُتَعاقِدِ أَن يَكونَ ماسِكاً لِلعَهدِ بِقُوّة، مُستَحضِراً لِمَضمونِه في كُلِّ لَحظة، مُفَعِّلاً لِوِقايَتِه قَبلَ اللّافِتةِ التي يُسَمّى بِها.


حَصيلة

كانَ الميثاقُ الذي أُخِذَ حَدَثاً تَجريبيّاً ضَخماً، غَيرَ تَوقيعٍ وَرَقيّ: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. و«ميثاق» من (و-ث-ق)، ومَدارُه على رَبطٍ مُحكَمٍ بِحَبلٍ قَوِيّ. وصورةُ الجَبَلِ المُعَلَّقِ فَوقَ الرَّأسِ تَوازُنٌ بَينَ ضَخامةِ الأَمانةِ وضَرورةِ الجِدّيّةِ في تَلَقّيها. والأَمرُ مُزدَوَج: «خُذوا ما آتَيناكُم بِقُوّة» ثُمَّ «اذكُروا ما فيه»، أي الأَخذُ بِالحَزمِ ثُمَّ الاستِحضارُ المُستَمِرّ. والغايةُ «لَعَلَّكُم تَتَّقون»، والتَّقوى من (و-ق-ي)، وهي وِقايةٌ تُبنى حينَ تُعرَفُ الحُدود. والجَبَلُ المَرفوعُ رَمزٌ لِثِقَلِ الأَمانة، وليسَ تَهديداً صارِماً، والكِتابُ الذي يُؤخَذُ بِقُوّةٍ يَقتَضي من صاحِبِه أَن يَتَذَكَّرَ دائِماً ما يَعلوه من مَسؤوليّة. والميثاقُ المَصحوبُ بِالمَشهَدِ أَعمَقُ في الذّاكِرةِ مِنَ النَّصِّ المُجَرَّد، ولذلك اختارَتِ الآيةُ التَّذكيرَ بِهذا الحَدَثِ تَحديداً.