الغاشية · الآية 18

﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ

«وإلى السماء»: نَظَرٌ يُوَجَّهُ صُعُداً إلى ما عَلا

و«إلى» حَرفُ غايةٍ يَنتَهي به الالتِفاتُ إلى مُنتَهاه، فالنَّظَرُ المَطلوبُ هنا يُساقُ إلى السماءِ سَوقاً ويَنتَهي عِندَها، ولا يَقَعُ عليها وَقعاً عابِراً. وقد جاءَ هذا التَّوجيهُ في نَسَقٍ يَفتَتِحُه «أفلا يَنظُرون»، فالعَطفُ بِالواوِ يَصِلُ السماءَ بِما قَبلَها من الإبِلِ كَيفَ خُلِقَت، ويَجعَلُها آيةً ثانيةً في سِلسِلةِ ما يُدعى الإنسانُ إلى تَأَمُّلِه.

والسماءُ مادّتُها س-م-و، وهي العُلُوُّ والسُّمُوُّ، أي ما ارتَفَعَ فعَلا وأظَلَّ ما تَحتَه. فالاسمُ نَفسُه يَحمِلُ صِفةَ الارتِفاع، وما يَلي من «كَيفَ رُفِعَت» يَستَخرِجُ هذا المَعنى الكامِنَ في الاسمِ ويَجعَلُه مَوضِعَ النَّظَر، فالمَدعُوُّ مَدعُوٌّ إلى أن يَرفَعَ بَصَرَه إلى ما هو مَرفوعٌ في ذاتِه.

«كَيفَ»: سُؤالٌ عن الهَيئةِ لا عن أصلِ الوُقوع

و«كَيفَ» سُؤالٌ عن الحالِ والهَيئة، دونَ أصلِ الفِعلِ هل وَقَعَ أو لم يَقَع. فالآيةُ تُثبِتُ الرَّفعَ وتَدعو إلى النَّظَرِ في هَيئَتِه: على أيِّ صورةٍ رُفِعَت؟ وكَيفَ ثَبَتَت مَرفوعةً؟ ولم تَستَفهِمْ أرُفِعَت السماءُ أم لا، فالسُّؤالُ يَفتَحُ النَّظَرَ على الكَيفيّةِ المُحكَمةِ بَعدَ التَّسليمِ بِالأصل.

وفي «كَيفَ» شِقٌّ ونَفاذٌ إلى داخِلِ الأمرِ المَسؤولِ عنه، فالسائِلُ يَنفُذُ إلى صَنعةِ السماءِ المَرفوعةِ ولا يَقِفُ عِندَ ظاهِرِها، يَطلُبُ تَمييزَ الهَيئةِ التي بها قامَت. والاستِفهامُ هنا أداةُ دَعوةٍ إلى الفَحصِ والتَّدقيق، وليسَ أداةَ شَكٍّ في الواقِع.

«رُفِعَت»: رَفعٌ واقِعٌ بِفاعِلٍ مَطوِيٍّ ظاهِرٍ أثَرُه

ومَدارُ ر-ف-ع على مَعنى نَقلِ الشَّيءِ من حَضيضِه إلى عُلُوٍّ وإقرارِه هُناك، ومِنه رَفَعَ البِناءَ إذا أعلاه وأقامَه، ورَفيعُ القَدرِ لِمَن عَلَت مَنزِلَتُه، والرَّفعُ ضِدُّ الوَضعِ والخَفض. وبِناءُ الفِعلِ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه في «رُفِعَت» يَطوي الرافِعَ ويُبقي الأثَرَ ماثِلاً، فهي سَماءٌ قائِمةٌ في عُلُوِّها، ورَفعٌ تامٌّ ثابِت، وفاعِلٌ لا يَخفى على المُتَأمِّلِ مَن هو.

وفي «رُفِعَت» تَمامٌ مُستَقِرّ: الفِعلُ ماضٍ، والسماءُ لم تَزَل على رَفعِها لم تَهبِط ولم تَختَلّ. فالنَّظَرُ المَدعُوُّ إليه نَظَرٌ في صَنعةٍ قائِمةٍ كلَّ حين، شاهِدةٍ على رافِعِها بِثَباتِها وعُلُوِّها. والآيةُ بِهذا تَصِلُ هَيئةَ السماءِ المَرفوعةِ بِهَيئةِ الإبِلِ المَخلوقةِ قَبلَها، فكِلتاهُما صَنعةٌ مُحكَمةٌ تُساقُ إلى النَّظَرِ لِتَدُلَّ على مُتقِنِها.


حَصيلة

تَسوقُ الآيةُ النَّظَرَ بِحَرفِ الغايةِ «إلى» نَحوَ السماء، والسماءُ من س-م-و: ما عَلا وارتَفَعَ فأظَلَّ ما تَحتَه، فالاسمُ يَحمِلُ صِفةَ العُلُوِّ التي يَستَخرِجُها ما بَعدَه. و«كَيفَ» (ك-ي-ف) سُؤالٌ عن الهَيئةِ يَنفُذُ إلى الصَّنعةِ بَعدَ التَّسليمِ بِالأصل، فالمَسؤولُ عنه على أيِّ صورةٍ رُفِعَت وثَبَتَت، وأمّا أرُفِعَت أم لا فغَيرُ مَسؤولٍ عنه. و«رُفِعَت» (ر-ف-ع) رَفعٌ تامٌّ ثابِتٌ بِفاعِلٍ مَطوِيٍّ ظاهِرٍ أثَرُه. فالآيةُ تَدعو إلى رَفعِ البَصَرِ إلى ما هو مَرفوعٌ في ذاتِه، والنَّظَرِ في هَيئَتِه المُحكَمة، فتَصِلُ صَنعةَ السماءِ بِصَنعةِ الإبِلِ قَبلَها في سِلسِلةِ آياتٍ تُساقُ لِلنَّظَر.