الشرح · الآية 4

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ

«رَفَعنا»: الإعلاءُ من اللاَّيَد

والجذرُ ر-ف-ع يَدلُّ على الإعلاء، ووَزنُ الفِعلِ «فَعَلَ» يَجعَلُ الفاعلَ هو مَن أَعلى، والفاعلُ هنا مُتَكَلِّمٌ بِنونِ العَظمَة. وعُدِلَ عن صورةِ المُطاوَعَةِ «ارتَفَعَ ذِكرُك» إلى صورةِ الإعلاءِ المُباشَرِ «رَفَعنا لَك ذِكرَك»، والذِّكرُ فيها مَرفوعٌ لم يَرتَفِع من نَفسِه، والذي رَفَعَه صاحبُ السَّعةِ التي تَكَلَّمَت في الآياتِ الثَّلاثِ السابِقَة.

وفي إيثارِ «رَفَعنا» على «أَعلَينا» لُطفٌ، فالإعلاءُ قد يَكونُ بِجَعلِ الشَّيءِ في مَكانٍ عالٍ، والرَّفعُ حركةٌ من الأَسفَلِ إلى الأَعلى، يَستَدعي بِها الفِعلُ صورةَ يَدٍ تَأخُذُ الذِّكرَ من حَيثُ هو وتُصعِدُه. فهو يَنطلقُ من المَوضِعِ الأَسفَل، ومِن حَيثُ كانَ الناسُ يَضَعونَ يَرفَعُ المُتَكَلِّمُ.

وفي البَقَرةِ يَقولُ القرآنُ في قِصَّةِ إبراهيمَ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، وذلك رَفعُ القَواعِدِ في البِناءِ المُقَدَّس، والآيةُ هنا تَستَعمِلُ الجذرَ نَفسَه في رَفعِ الذِّكر، كَأَنَّ الذِّكرَ بِناءٌ آخَرُ يَرتَفِع: قَواعِدُ البَيتِ تَرتَفِعُ في مَوضِعِها، وذِكرُ مَن أَتى بَعدَه يَرتَفِعُ في الأَرضِ كلِّها.

«لَكَ»: لامُ الاختِصاصِ في وَجهِ الاحتِكار

واللامُ في «لَك» لامُ الاختِصاص، ولَيسَت لامَ التَّعليلِ المُجَرَّد، فالذِّكرُ مَرفوعٌ لِشَخصِك أنتَ دونَ جِهَةٍ أُخرى. وهي تَردُّ بِذلك على مَن يَنسِبُ الكَلامَ إلى غَيرِ صاحبِه، أو يَزعُمُ أنَّ الذِّكرَ سَيَنطَفئ، فالذِّكرُ المَرفوعُ مُختَصٌّ بصاحبِه، لا يُشارِكُه فيه أَحَد، ولا يُنسَبُ إلى غَيرِه.

ومَن أَصغى إلى صيغةِ السورةِ كلِّها وَجَدَ هذه اللامَ تَتَكَرَّر: «شَرَحنا لَك صَدرَك»، «رَفَعنا لَك ذِكرَك»، وبَينَهُما «وَضَعنا عَنك وِزرَك» بِـ«عَن»، وهي ثَلاثُ صيغٍ يَتَكَرَّرُ فيها التَّوجيهُ المُباشَرُ إلى المُخاطَب، الفِعلُ فيها من جِهَةِ المُتَكَلِّمِ بِنونِ العَظمَة، والمَوضِعُ من جِهَةِ المُخاطَبِ بضَميرِ الكاف. وكلُّ آيةٍ تَنزِلُ كَأَنَّها رِسالَةٌ شَخصيَّة، والسورةُ تُكلِّمُ المُخاطَبَ مُباشَرَةً، كأنَّ بَينَه وبَينَ الكِتابِ خَيطاً لا يَنقَطِع.

وفي الفاتحةِ يَقولُ القارئُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والاختِصاصُ هناك من جِهَةِ العَبد، وهو في هذه السورةِ من جِهَةِ الرَّبّ، كَأَنَّ السورتَين تُكَوِّنانِ نِصفَي وَجهٍ واحد: العَبدُ يَختَصُّ رَبَّه بالعِبادَة، والرَّبُّ يَختَصُّ مُخاطَبَه بالذِّكر، وكِلا الوَجهَينِ اختِصاص، هُناكَ بِتَقديمِ «إيّاكَ» وهُنا بِاللام.

«ذِكرَك»: ما يَلهَجُ به اللسانُ في كُلِّ صَلاة

والذِّكرُ في اللسانِ ما يَستَحضِرُه القَلبُ ويُجريه اللسان، فهو لَهجٌ يُسمَع، وليس تَذَكُّراً صامِتاً، ولذلك يُقالُ «ذَكَرَ اللهَ» للمُتَكَلِّمِ بإسمِه، و«اشتَهَرَ ذِكرُه» لمَن جَرى اسمُه في الناس. ويَكونُ الذِّكرُ مَرفوعاً حين يَلهَجُ به أَكثَرُ مِن لِسانٍ في أَكثَرِ مِن مَوضِع.

ورَفعُ هذا الذِّكرِ يَتَجَلّى في مَواضِعَ ثَلاث: الأُولى الشَّهادَتان، ولا يَدخُلُ أَحَدٌ في الإسلامِ إلّا بِأن يَجمَعَ بَين اسمِ اللهِ واسمِ المُخاطَبِ في صيغَةٍ واحِدَة، والثانية الأَذان، تَرتَفِعُ به المَآذِنُ كلَّ يَومٍ خَمسَ مَرّاتٍ في الأَرضِ كلِّها بِاسمِه بَعدَ اسمِ رَبِّه، والثالثة الصَّلاة، يُعيدُ التَّشَهُّدُ فيها ذِكرَه في كلِّ رَكعَتَين. فهي ثَلاثَةُ مَواضِعَ في كلِّ يَومٍ في كلِّ بَلَدٍ يَدخُلُه الإسلام، وهذا هو الرَّفعُ الذي تَتَكَلَّمُ به الآية.

والإضافةُ في «ذِكرَك» تَجعَلُ الذِّكرَ مَنسوباً إلى صاحبِه، فهو ذِكرٌ بِاسمِه هو، وليس ذِكراً مُجَرَّداً، وفي هذا تَكميلٌ لِما سَبَق: فالصَّدرُ الذي شُرِحَ ذُكِرَ مَنسوباً («صَدرَك»)، والوِزرُ الذي وُضِعَ ذُكِرَ مَنسوباً («وِزرَك»)، والظَّهرُ الذي رُفِعَ عَنه الحِملُ ذُكِرَ مَنسوباً («ظَهرَك»). وتَتَكَرَّرُ الإضافَةُ أَربَعَ مَرّاتٍ في أَربَعِ آيات، كَأَنَّ السورةَ كلَّها تَتَكَلَّمُ مَع شَخصٍ واحِدٍ في حَوارٍ مُغلَقٍ على الجِسمِ نَفسِه: داخِلِه وظَهرِه واسمِه. ومَن قَرَأَها سَمِعَ هذا الإصغاءَ المُتَّصِلَ الذي لم يُتَجاوَزْ فيه عَنك مَوضِع.


حَصيلة

في هذه الآيةِ تَبلُغُ الحَرَكَةُ ذُروَتَها: «وَرَفَعنا لَك ذِكرَك». وأصلُ ر-ف-ع الإعلاءُ من المَوضِعِ إلى ما فَوقَه، ومادّةُ ذ-ك-ر ما يُذكَرُ به الشَّيءُ في النَّاس، و«لَك» لامُ الاختِصاصِ والإكرام، فالذِّكرُ مَرفوعٌ لِأَجلِك أنتَ. وقد وَسَّعَ الشَّرحُ الباطِن، وخَفَّفَ الوَضعُ الظَّاهِر، والرَّفعُ أَعلى ما يَنبَثِقُ من الإنسانِ إلى الناس، فهي ثَلاثُ حَرَكاتٍ من المَوضِعِ إلى الظَّهرِ إلى الذِّكر.