الأعلى · الآية 16

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

«بَل تُؤثِرون»: استِدراكٌ يَفتَحُ بابَ التَّوبيخ

«بَل» في العَرَبيَّةِ حَرفُ إضرابٍ يَستَدرِكُ ما قَبلَه بِما بَعدَه، وهو لا يَنفي ما سَبَقَ نَفياً كامِلاً، وإنَّما يَكشِفُ أنَّ الواقِعَ يُخالِفُ المُفلِحَ المُحَقَّقَ في الآياتِ السّابِقة. وقد وَصَفَتِ السّورةُ في الآيةِ ١٤ مَن قَد أفلَح، وهي هُنا تَكشِفُ أنَّ المُفلِحَ قَليل، وأنَّ أكثَرَ القارِئينَ يُؤثِرونَ غَيرَ ما يُفلِح.

والفِعلُ في صيغةِ جَمعِ المُخاطَب: «تُؤثِرون»، والواوُ والنّونُ في الجَمعِ تَجعَلانِ الخِطابَ يَنزِلُ على القارِئينَ كافّة، ولا يَستَثني الكِتابُ نَفسَه من هذا الخِطاب. والقارِئُ إذ يَقرَأُ هذه الآيةَ يَجِدُ نَفسَه مَعَ المُخاطَبين، ويَنزِلُ على قَلبِه السُّؤال: أهو فيمَن يُؤثِرُ الدُّنيا، أم في القَليلِ الذي تَزَكّى وذَكَرَ وصَلّى؟

«الحَياةَ الدُّنيا»: الأَقرَبُ في كلِّ شَيء

والجِذرُ د-ن-و في العَرَبيّةِ مِحوَرُه القُرب: قُربُ المَكانِ والزَّمانِ والمَنزِلة، ومِنه «دَنا» أي اقتَرَب، و«الدُّنُوُّ» أي الاقتِراب. و«الدُّنيا» على وَزنِ فُعلى التَّفضيلِيِّ المُؤَنَّث، ويُقابِلُها في القُرآنِ غالِباً «الآخِرة»، فـ«الدُّنيا» الأقرَب، و«الآخِرة» الأبعَدُ زَمَناً، غَيرَ أنَّها الأبقى.

والحَياةُ مَوصوفةٌ هُنا بِالأقرَبِ لأنَّها الحَياةُ التي يَلمَسُها الجِسم، بِما فيها من أكلٍ وشُربٍ ونَوم، وفَرَحٍ وحُزن، ولِقاءٍ وافتِراق، وكُلُّ ذلك في الحَياةِ الأقرَب. أمّا الحَياةُ الأُخرى، التي سَتَأتي في الآيةِ التّالية، فأبعَدُ في الإحساسِ وفي الزَّمَن. والقَريبُ يَطغى على البَعيدِ في إيثارِ النَّفسِ غالِباً، لأنَّ النَّفسَ تَأخُذُ بِما يُلامِسُها قَبلَ ما يَخفى عَنها.

آيَةٌ تَكشِفُ ما في القَلب

هذه الآيةُ سُؤالٌ يَنزِلُ على القَلبِ القارِئ، ولم تَأتِ إخباراً عن النّاس: أيُؤثِرُ هذا القَلبُ ما هو أقرَب؟ والكِتابُ يَطرَحُ السُّؤالَ بِغَيرِ جَواب، ويَكشِفُ الجَوابَ القَلبُ نَفسُه إن أصغى إلى نَفسِه، فمَن وَجَدَ أنَّ ما يَفعَلُه وما يَتَمَنّاه وما يُغمَرُ بِه قَلبُه كُلُّه في صورةِ الأقرَبِ فقد عَرَفَ مَوضِعَه.

والآيةُ التّاليةُ سَتُقابِلُ بَينَ الطَّرَفَين: «والآخِرَةُ خَيرٌ وأَبقى»، والمُقابَلةُ فيها بَينَ قَريبٍ زائِلٍ وبَعيدٍ باقٍ، ولَيسَت بَينَ قُربٍ وبُعدٍ في المَكان. والإيثارُ في وَضعِه السَّليمِ يَكونُ لِما يَبقى دونَ ما يَزول.


حَصيلة

تنقلبُ السورةُ من وصفِ المُفلحِ إلى مُخاطبةِ القارئينَ بجمعِ المُخاطَب: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. و«بَل» إضرابٌ يكشفُ أنّ الواقعَ يخالفُ ما سبقَ من وصفِ المُفلِح، فمَن وصفَته السورةُ موجود، غيرَ أنّ الأكثرَ يفعلُ خلافَه. و«تُؤثِرون» من -أ-ث-ر-، وهو جعلُ شيءٍ ذا أثرٍ مُقدَّمٍ على غيرِه، والإيثارُ اختيارٌ مدفوعٌ بما يتركُه المختارُ في النفس. و«الحَياةَ الدُّنيا» معرَّفةٌ بأل، و«الدُّنيا» من -د-ن-و- على وزنِ فُعلى التفضيليِّ المؤنَّث، فهي قريبة، وهي الأقربُ فوقَ ذلك، وقد أُوثِرَ ما يُلامسُ الجسمَ هنا والآن على ما هو أبقى. والخطابُ يجعلُ القارئَ نفسَه معَ المُخاطَبين، فيسألُ: أهو فيمَن يُؤثِرُ الأقرب أم فيمَن تَزَكَّى وذَكَرَ وصلَّى؟ ثمّ تكشفُ الآيةُ التاليةُ المقابلة.