الأعلى · الآية 18

﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ

«إنَّ هَذا لَفي»: تَأكيدانِ مَعاً

تَأكيدُ «إنَّ» في العَرَبيَّةِ يَدفَعُ ما يَتَوَقَّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ مِن إنكار. «إنَّ زَيداً قائِمٌ» يُقالُ لِمَن قَد يُنكِرُ قِيامَ زَيد. ولامُ التَّأكيدِ في الخَبَرِ تُضيفُ تَأكيداً ثانياً. التَّأكيدانِ مَعاً يَدُلَّانِ على أَنَّ الكِتابَ يَتَوَقَّعُ مِنَ القارئِ تَرَدُّداً في قَبولِ ما يَأتي. السورَةُ تَستَبِقُ هَذا التَّرَدُّدَ بِتَأكيدٍ مُكَرَّر.

والمُشارُ إلَيه «هَذا» يَحتَمِلُ مَعنَيَين كِلاهُما واسِع. قَد يَكونُ ما قيلَ في الآيَتَينِ السابِقَتَينِ خاصَّةً (الإِيثارُ المَذمومُ والآخِرَةُ المَفضَّلَة). وقَد يَكونُ ما قيلَ في السورَةِ كلِّها (تَسبيحُ الاسم، شَلَّالُ الأفعال، الإِقراءُ والحِفظ، طَريقَا الفَلاحِ والشَّقاء، الإِيثارُ والمُقابَلَة). الكِتابُ لا يُحَدِّدُ، بَل يَفتَحُ المَعنى.

«الصُّحُفِ»: ما يَخرُجُ مِنَ القَلبِ إلى وَرَقَة

الجذرُ ص-ح-ف في العَرَبيَّةِ يَدُلُّ على ما يُكتَبُ في وَرَقَة. الصَّحيفَةُ سَطحٌ يَستَقبِلُ الكِتابَة، يَنقُلُ المَعنى مِن صَدرِ القائِلِ إلى مَن لَم يَكُن حاضِراً في زَمَنِ القَول. والصُّحُفُ في الجَمعِ تَدُلُّ على أَوراقٍ كَثيرَةٍ تَجمَعُ ما أُلقيَ في فَتَراتٍ مُختَلِفَة.

والكِتابَةُ في الصَّحيفَةِ تَفعَلُ بِالمَعنى ما لا يَفعَلُهُ الذِّكرُ القَلبيُّ وَحدَه. القَلبُ يَنسى، والصَّحيفَةُ تَحفَظ. الكَلِمَةُ التي قِيلَت لِجِيلٍ تَصِلُ إلى جِيلٍ بَعدَه عَبرَ الصَّحيفَةِ التي تَستَقبِلُها. وَالسورَةُ تَكشِفُ في هذِه الآيَةِ أَنَّ ما يُلقى عَلى المُقَرَّأِ في عَصرِها لَيسَ بِغَيرِ سابِقَة، بَل أُلقيَ مِن قَبلُ على صُحُفِ مَن سَبَق.

«الأُولى»: المُقَدَّمَةُ في الزَّمَن

الجذرُ أ-و-ل في العَرَبيَّةِ مِحوَرُه ما يَؤولُ إلَيه الشَّيءُ مِن أَصل، أَو ما يَتَقَدَّمُ على غَيرِه في الزَّمَن. ومنه «الأَوَّل» المُتَقَدِّمُ في الزَّمَن، و«الأُولى» مُؤَنَّثُهُ. والصِّيغَةُ هُنا على وَزنِ فُعلى التَّفضيليّ المُؤَنَّث. وَالوَزنُ نَفسُهُ في «الكُبرى» و«اليُسرى» و«الدُّنيا». السورَةُ تَختِمُ كَما افتَتَحَت، بِفُعلى تُقابِلُ فُعلى. افتَتَحَت بِـ«الأَعلى»، وتَختِمُ بِـ«الأُولى». مِنَ الأَعلى إلى الأُولى، حَلَقَةٌ مِن عُلوٍّ إلى أَوَّل.

وَالأُولى لا تُحَدَّدُ زَمَنيّاً في الآيَة. لا يُقالُ مَتى كانَت ولا كَم بَعدَها. تُحَدَّدُ نَوعيّاً في الآيَةِ التَّاليَةِ بِأَنَّها صُحُفُ إِبراهيمَ ومُوسى. والقارئُ، إذ يَنطُقُ «الأُولى» في فَمِه، يَلمَحُ ما تَلمَحُهُ السورَةُ كلُّها: ما يُلقى الآنَ مَوصولٌ بِما أُلقيَ مِن قَبل، وَالكَلِمَةُ تَعبُرُ ألسُنَ البَشَرِ، ومَعناها يَبقى في صورَةٍ تَتَكَرَّر.


حَصيلة

تأتي هذه الآيةُ بتأكيدَين قبلَ الخبر: إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾. «إنّ» تدفعُ ما يُتوقَّعُ من المخاطَبِ من تشكيك، ولامُ «لَفي» تضيفُ تأكيداً ثانياً. مُجتمَعانِ يُهيِّئانِ لخبرٍ قد يُقابَلُ بتردُّد. المُشارُ إليه «هَذا» مفتوحٌ يحتملُ الآيتَين السابقتَين أو السورةَ كلَّها أو ما حولَهما من معانٍ. «الصُّحُف» جمعُ صحيفةٍ من -ص-ح-ف- ورقةٌ تُكتَبُ فيها الكتابةُ ليُعادَ تداوُلُها؛ ما كانَ في القلبِ يخرجُ في الصحيفةِ بهيئةٍ تنتقلُ إلى من لم يسمع. «الأُولى» من -أ-و-ل- على وزنِ فُعلى التفضيليِّ المؤنَّث: المتقدِّمةُ التي سبقَت ما بعدَها. والكتابُ لا يُسمِّيها هنا بل يتركُ التسميةَ للآيةِ التالية. السورةُ تختمُ بأنّ ما قالَته ليسَ جديداً على الإنسان: مَن سمعَ سمعَ ما قد سُمِع.