النساء · الآية 36

﴿۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا

«وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»: خِدمةٌ تُعطى لِواحِدٍ كامِلة

تَبدَأُ الآيةُ بِأمرٍ ونَهيٍ مُتَلازِمَين: «واعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا بِه شَيئاً». والعِبادةُ من ع-ب-د، والعَبدُ مَن يُذَلِّلُ نَفسَه لِمَن يَخدُمُه، و«الطَّريقُ المُعَبَّد» الطَّريقُ الذي وَطِئَتْه الأقدامُ حتّى لانَ لِلسّائرين، فالعِبادةُ خِدمةٌ يَلينُ فيها صاحِبُها لِمَن يَخدُم. والشِّركُ من ش-ر-ك، أن يُدخَلَ في الشَّيءِ شَريكٌ يُقاسِمُ فيه، و«شَيئاً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّهي، فهي تَعُمُّ كُلَّ ما يُمكِنُ أن يُشرَكَ بِه: شَخصاً أو مالاً أو هَوىً أو غَيرَ ذلك. فالخِدمةُ لِله، ولا يَدخُلُ فيها ثانٍ.

وتَضَعُ الآيةُ الإحسانَ إلى الوالِدَينِ في المَوضِعِ الذي يَلي خِدمةَ الله، وهذا نَسَقٌ يَتَكَرَّرُ في الكِتاب: أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فالإحسانُ إلى الوالِدَينِ يَأتي في هذه المَواضِعِ ثانِياً بَعدَ إفرادِ اللهِ بِالخِدمة، ولا يَتَقَدَّمُه شَيءٌ من حُقوقِ النّاس.

«وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»: إحسانٌ مُلتَصِقٌ بِكُلِّ مَن يُذكَرُ بَعدَه

و«إحساناً» مَصدَرٌ حُذِفَ فِعلُه، والمَعنى: وأحسِنوا بِالوالِدَينِ إحساناً. والإحسانُ من ح-س-ن، أن يُؤتى بِالشَّيءِ على أجمَلِ وَجهِه وأتَمِّه، فالمُحسِنُ يَزيدُ على ما يَجِبُ عَلَيه حتّى يَجمُلَ فِعلُه. والباءُ في «بِالوالِدَين» لِلإلصاق، فالإحسانُ مُلتَصِقٌ بِهِما يَقَعُ عَلَيهِما مُباشَرة. ثُمَّ جاءَتِ الباءُ مَرّةً ثانية: «وبِذي القُربى»، وعُطِفَ ما بَعدَها عَلَيها بِالواو، فكُلُّ مَن ذُكِرَ بَعدُ داخِلٌ تَحتَ هذا الإحسانِ المُلتَصِق.

«وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»: دَوائرُ تَتَّسِعُ من الرَّحِمِ إلى الطَّريق

ثُمَّ تَمضي الآيةُ في قائمةٍ تَتَّسِعُ دَوائرُها: ذو القُربى، وهو القَريبُ في الرَّحِم، من ق-ر-ب؛ ثُمَّ اليَتامى، واليَتيمُ من ي-ت-م مَن انفَرَدَ بَعدَ فَقدِ مَن كانَ يَقومُ عَلَيه؛ ثُمَّ المَساكين، من س-ك-ن، وهُمُ الذينَ أسكَنَتْهُمُ الحاجةُ فقَعَدوا عن الحَرَكة. وهذه الثَّلاثةُ جاءَت مُجتَمِعةً من قَبلُ في هذه السّورة، حينَ يَحضُرونَ القِسمة: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾، فالقائمةُ هُنا تَبدَأُ بِمَن سَمَّتْهُمُ السّورةُ عِندَ قِسمةِ المال.

ثُمَّ تَنتَقِلُ من الرَّحِمِ والحاجةِ إلى المَكان: «والجارِ ذي القُربى والجارِ الجُنُب». والجارُ من ج-و-ر، مَن يَقرُبُ مَنزِلُه من مَنزِلِك، ووُصِفَ الأوَّلُ بِـ«ذي القُربى»، فهو جارٌ قَريبٌ في الرَّحِمِ أو في الدّار، ووُصِفَ الثّاني بِـ«الجُنُب»، من ج-ن-ب، وهو البَعيدُ الذي في جانِبٍ آخَر، يُقالُ «رَجُلٌ جُنُبٌ» إذا كانَ غَريباً، وفي الكِتابِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ﴾، أي من بُعدٍ ومن جانِب. فالآيةُ تَجمَعُ الجارَ القَريبَ والجارَ الغَريبَ تَحتَ إحسانٍ واحِد.

ثُمَّ «والصّاحِبِ بِالجَنب»، والجَنبُ من الجِذرِ نَفسِه، غَيرَ أنَّه هُنا مَوضِعُ القُرب: الصّاحِبُ الذي يَكونُ إلى جَنبِك، يُلاصِقُ جانِبَك في سَفَرٍ أو عَمَلٍ أو مَجلِس. فالجِذرُ ج-ن-ب يَأتي في الآيةِ مَرَّتَينِ بِوَجهَينِ مُتَقابِلَين: الجُنُبُ البَعيدُ في جانِبٍ آخَر، والصّاحِبُ الذي بِجَنبِك، والجانِبُ واحِد، والمَسافةُ مُختَلِفة. وقد جاءَ الجِذرُ قَبلَ خَمسِ آياتٍ في «إن تَجتَنِبوا»، فالجانِبُ الذي يُتَّخَذُ هُناكَ من الكَبائرِ بُعداً يُتَّخَذُ هُنا من الصّاحِبِ قُرباً.

ثُمَّ «وابنِ السَّبيل»، والسَّبيلُ من س-ب-ل، الطَّريقُ المَمدودُ المَسلوك، وابنُ السَّبيلِ مَن لا يُعرَفُ لَه أهلٌ في مَوضِعِه، فيُنسَبُ إلى الطَّريقِ الذي جاءَ بِه كأنَّه وَلَدُه. ثُمَّ «وما مَلَكَت أيمانُكُم»، والأيمانُ هي الأيدي التي ذُكِرَت قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ تَعقِدُ العُهود: «والذينَ عَقَدَت أيمانُكُم»، وهي هُنا أيدٍ تَملِك، والمَملوكُ تَحتَ اليَدِ داخِلٌ في الإحسانِ كما دَخَلَ القَريبُ والجار. فالقائمةُ تَبدَأُ بِالوالِدَينِ اللَّذَينِ خَرَجَ المَرءُ مِنهُما، وتَمُرُّ بِالرَّحِمِ والحاجةِ والجِوارِ والصُّحبةِ والطَّريق، وتَنتَهي بِمَن هو تَحتَ يَدِه.

«إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»: صورةٌ في النَّفسِ وقَولٌ يُعلِنُها

وخُتِمَتِ الآيةُ بِمَن لا يُحِبُّه الله: «مَن كانَ مُختالاً فَخوراً». والمُختالُ من خ-ي-ل، والخَيالُ صورةُ الشَّيءِ تُرى ولا حَقيقةَ فيها، والاختِيالُ على «افتِعال» أن يَصنَعَ المَرءُ لِنَفسِه صورةً يَتَخَيَّلُها ويَمشي فيها. والفَخورُ من ف-خ-ر، مَن يُكثِرُ عَدَّ مَناقِبِه على النّاس، على بِناءِ فَعول الذي يَدُلُّ على الإكثار. فالأوَّلُ صورةٌ في داخِلِ النَّفس، والثّاني قَولٌ يُعلِنُها في الخارِج، و«كانَ» تَجعَلُهُما حالاً ثابِتة.

وهذا الخِتامُ يُقابِلُ الإحسانَ الذي قَبلَه: المَأخوذُ بِصورَتِه مَشغولٌ بِها عن الإحسانِ إلى مَن في القائمةِ مِمَّن لا يَزيدُ في صورَتِه شَيئاً، اليَتيمِ والمِسكينِ والجارِ الجُنُبِ وابنِ السَّبيلِ والمَملوك. والآيةُ التّاليةُ تُسَمّي فِعلَ هؤلاء: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، وفي الكِتابِ مَوضِعٌ آخَرُ يَتلو فيه الوَصفَينِ نَفسَيهِما الكَلامُ نَفسُه: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، ثُمَّ «الذينَ يَبخَلونَ ويَأمُرونَ النّاسَ بِالبُخل»، فالمُختالُ الفَخورُ يُذكَرُ مَعَه البُخلُ في المَوضِعَين.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِخِدمةٍ لِلهِ لا يَدخُلُها شَريك، من ع-ب-د وش-ر-ك، ثُمَّ تَضَعُ الإحسانَ إلى الوالِدَينِ في المَوضِعِ الذي يَضَعُه فيه الكِتابُ في مَواضِعَ أُخرى، ثانِياً بَعدَ إفرادِ الله. والإحسانُ من ح-س-ن إتيانُ الفِعلِ على أجمَلِ وَجهِه، وباءُ الإلصاقِ تُلصِقُه بِالوالِدَين، ثُمَّ بِقائمةٍ تَتَّسِعُ دَوائرُها: ذو القُربى واليَتامى والمَساكين، ثُمَّ الجارُ القَريبُ والجارُ الجُنُب، والصّاحِبُ بِالجَنب، وابنُ السَّبيل، وما مَلَكَتِ الأيمان. ويَأتي الجِذرُ ج-ن-ب فيها بِوَجهَين: جانِبٌ نائٍ لِلغَريب، وجانِبٌ مُلاصِقٌ لِلصّاحِب، والإحسانُ واحِدٌ فيهِما. وتُختَمُ الآيةُ بِمَن لا يُحِبُّه الله: مُختالٍ من خ-ي-ل يَمشي في صورةٍ يَتَخَيَّلُها، وفَخورٍ من ف-خ-ر يُعلِنُها بِقَولِه، وهُما هُنا وفي مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ مَقرونانِ بِالبُخل، فيَقِفانِ على الطَّرَفِ المُقابِلِ لِلإحسان.