النساء · الآية 135

﴿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

«كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ»: قِيامٌ يَتَكَرَّرُ حتّى يَصيرَ صِفة

تُنادي الآيةُ الذينَ آمَنوا، ثُمَّ يَقَعُ أمرُها على الكَون: «كونوا قَوّامينَ بِالقِسط»، فالمَطلوبُ صِفةٌ يَكونونَ عَلَيها. والقَوّامُ على بِناءِ فَعّال، وهو بِناءٌ لِمَن يَتَكَرَّرُ مِنه الفِعلُ حتّى يُعرَفَ بِه، والفِعلُ من ق-و-م، والجِذرُ إمساكُ الشَّيءِ مَجموعاً من باطِنِه حتّى يَثبُتَ ويَنتَصِب، فالقَوّامُ مَن يَقومُ ثُمَّ يَقومُ حتّى يَصيرَ القِيامُ حالَه. والقِسطُ من ق-س-ط، حِصّةٌ تُقطَعُ بِدِقّةٍ وتُبسَطُ على مُستَحِقِّها حتّى تَستَوفيَ حَقَّه، والباءُ في «بِالقِسط» تُعَلِّقُ القِيامَ بِه، كما يُقالُ «قامَ بِالأمرِ» لِمَن تَوَلّاه وأدّاه.

وهذا البِناءُ نَفسُه جاءَ في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّلاثين: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ومُتَعَلَّقُه هُناكَ «على النِّساء»، وهو هُنا «بِالقِسط». وجَمَعَتِ الآيةُ السّابِعةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئةِ الجِذرَينِ في شَأنِ اليَتامى: وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ﴾، وهُما هُنا في أمرٍ مُطلَقٍ يَتَّسِعُ لِكُلِّ ما تَقَعُ فيه الشَّهادة. وفي سورةِ المائدةِ آيةٌ تُقارِبُ هذه في لَفظِها وتُبادِلُ بَينَ مُتَعَلَّقَيها: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، فالقِسطُ هُناكَ مَعَ الشَّهادةِ و«لِلّه» مَعَ القِيام، وهُنا القِسطُ مَعَ القِيامِ و«لِلّه» مَعَ الشَّهادة.

«شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ»: شَهادةٌ لِلّهِ وإن وَقَعَت على الأقرَب

و«شُهَداءَ» جَمعُ شَهيد، من ش-ه-د، حِسٌّ يَحضُرُ المَكانَ فيَنحَبِسُ فيه ما أدرَكَه ويَثبُت، والشّاهِدُ مَن ثَبَتَ عِندَه ما حَضَرَه فأدّاه. ونَصبُ «شُهَداءَ» على وَجهَين: خَبَرٌ ثانٍ لِـ«كونوا»، أو حالٌ من الضَّميرِ في «قَوّامين»، فالشَّهادةُ على الأوَّلِ صِفةٌ ثانيةٌ يَكونونَ عَلَيها، وعلى الثّاني هَيئةٌ يَكونُ عَلَيها قِيامُهُم بِالقِسط. واللّامُ في «لِلّه» تَجعَلُ الشَّهادةَ لِوَجهِه، فهي مُتَّجِهةٌ إلَيه دونَ الخَصمَين.

ثُمَّ تَأتي «ولَو على أنفُسِكُم»، و«لَو» هُنا بِمَعنى «وإن»، تَحمِلُ الأمرَ إلى أبعَدِ ما يُظَنُّ أن يَبلُغَه. و«شَهِدَ على» غَيرُ «شَهِدَ لِـ»: الأُولى شَهادةٌ تُلزِمُ مَن تَقَعُ عَلَيه، والثّانيةُ شَهادةٌ تَنفَعُه، والآيةُ تَجمَعُ الحَرفَينِ في جُملةٍ واحِدة: الشَّهادةُ «لِلّه» وإن وَقَعَت «على» أقرَبِ النّاسِ إلى الشّاهِد. والتَّرتيبُ يَبدَأُ بِالنَّفسِ ثُمَّ يَخرُجُ مِنها إلى مَن يَليها: «أنفُسِكُم»، ثُمَّ «الوالِدَين»، ثُمَّ «الأقرَبين».

و«الوالِدانِ والأقرَبونَ» زَوجٌ من الألفاظِ سَمّى بِه أوَّلُ السّورةِ مَن يَترُكونَ المالَ لِمَن بَعدَهُم: مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ في الآيةِ السّابِعة، وأُعيدَ في الآيةِ الثّالِثةِ والثَّلاثين. وهُما هُنا مَجرورانِ بِـ«على»، فالجِهةُ التي سَمَّتها السّورةُ من قَبلُ تارِكةً لِلمال تُسَمّيها هُنا جِهةً قد تَقَعُ عَلَيها الشَّهادة.

«إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا»: حالانِ يُرَدّانِ إلى اللهِ مَعاً

ثُمَّ تَذكُرُ الآيةُ حالَينِ لِمَن تَقَعُ فيه الشَّهادة: «إن يَكُنْ غَنيّاً أو فَقيراً»، واسمُ «يَكُنْ» ضَميرٌ لم يَتَقَدَّمْ لَه ذِكرٌ صَريح، يَعودُ على مَن يُشهَدُ لَه أو عَلَيه مِمّا يَدُلُّ عَلَيه الكَلام. والغَنيُّ مَن يَكفيه ما في يَدِه، والفَقيرُ مَن يَنقُصُه ما يَحتاجُ إلَيه، وقد جَمَعَتِ السّورةُ الحالَينِ من قَبلُ في مَن يَقومُ على مالِ اليَتيم: وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهُما هُنا حالُ مَن يُشهَدُ في أمرِه.

ثُمَّ «فاللهُ أولى بِهِما»، وهي جَوابُ الشَّرط، أو تَعليلٌ لِجَوابٍ طُوِيَ يَدُلُّ عَلَيه الكَلام: لا يَحمِلَنَّ الشّاهِدَ غِنىً ولا فَقرٌ على أن يَميلَ في شَهادَتِه. و«أولى» من و-ل-ي، والجِذرُ وَصلٌ مَمدودٌ يَتَعَلَّقُ بِما يَليه فيَلتَصِقُ بِه، و«الوَليُّ» القَريبُ الذي يَلي أمرَ غَيرِه، و«أولى» أفعَلُ مِنه: الأقرَبُ إلى الشَّيءِ والأحَقُّ بِأمرِه. وجاءَ الضَّميرُ في «بِهِما» مُثَنّىً وقد عُطِفَ الوَصفانِ بِـ«أو»، والأصلُ مَعَ «أو» أن يَعودَ الضَّميرُ على أحَدِ المَذكورَين، وفي عَودِه عَلَيهِما وَجهان: أن يَرجِعَ إلى الجِنسَينِ اللَّذَينِ دَلَّ عَلَيهِما الوَصفان، الأغنياءِ والفُقَراء، وأن يَرجِعَ إلى الخَصمَينِ اللَّذَينِ تَكونُ الشَّهادةُ لِأحَدِهِما وعلى الآخَر. وعلى الوَجهَينِ فاللهُ أقرَبُ إلى الغَنيِّ والفَقيرِ جَميعاً، وأحَقُّ بِأمرِ كُلٍّ مِنهُما من الشّاهِد، والشّاهِدُ يَبقى على ما حَضَرَه.

«فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا»: مَيلٌ يُتبَعُ، واستِواءٌ يُفارَق

ثُمَّ تَأتي الفاءُ بِالنَّهي: «فلا تَتَّبِعوا الهَوى». و«تَتَّبِعوا» على افتَعَلَ من ت-ب-ع، سَيرٌ في أثَرِ مُتَقَدِّمٍ ولِحاقٌ بِه، وقد جاءَ الفِعلُ في السّورةِ مَعَ الشَّهَوات: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، وهو هُنا مَعَ الهَوى. والهَوى من ه-و-ي، والجِذرُ خَلاءٌ يَنفَرِجُ فلا يُمسِكُ ما يَقَعُ فيه، ومنه «هَوى» سَقَطَ، و«الهَواء» الفَراغُ الذي لا يُمسِكُ شَيئاً، و«الهَوى» مَيلُ النَّفسِ إلى ما تَشتَهي. فمُتَّبِعُ الهَوى يَجعَلُ هذا المَيلَ مُتَقَدِّماً يَسيرُ في أثَرِه، ويَمشي خَلفَ ما لا قَرارَ فيه.

و«أن تَعدِلوا» مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ من «أنْ» والفِعل، والجِذرُ ع-د-ل يَرِدُ في العَرَبيّةِ على مَعنَيَينِ مُتَقابِلَين: الاستِواء، ومنه العَدلُ بَينَ الطَّرَفَين، والمَيل، ومنه «عَدَلَ عن الطَّريق». وعلى هذا تَحتَمِلُ العِبارةُ وَجهَين: أن يَكونَ المَعنى «لا تَتَّبِعوا الهَوى كَراهةَ أن تَعدِلوا»، فالعَدلُ هُنا الاستِواء، والهَوى طَريقُ مَن يَكرَهُه، وأن يَكونَ «لا تَتَّبِعوه إرادةَ أن تَعدِلوا عن الحَقّ»، فالعُدولُ هُنا المَيل، والهَوى طَريقُه. والوَجهانِ يَنتَهيانِ إلى أمرٍ واحِد: الهَوى إذا اتُّبِعَ فارَقَ صاحِبُه الاستِواء. وقد جاءَ الفِعلُ «تَعدِلوا» في السّورةِ قَبلَ هذا في الآيةِ الثّالِثة: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وفي الآيةِ التّاسِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾.

«وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا»: شَهادةٌ تُفتَلُ أو تُترَك

ثُمَّ الشَّرطُ الأخير: «وإن تَلوُوا أو تُعرِضوا». و«تَلوُوا» من ل-و-ي، والجِذرُ شَيءٌ يُلَفُّ على نَفسِه فتَنحَرِفُ وِجهَتُه، وقد جاءَ في السّورةِ مَعَ الألسِنة: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ في الآيةِ السّادِسةِ والأربَعين. ومَفعولُ «تَلوُوا» مَحذوف، فيَبقى ما يُلوى مَفتوحاً على ما تَقَدَّمَ في الآية: الشَّهادةُ تُفتَلُ عن وِجهَتِها، أو اللِّسانُ الذي يُؤَدّيها. و«تُعرِضوا» من ع-ر-ض، والإعراضُ أن يُوَلّى الشَّيءُ عُرضَ الجانِبِ ويُنصَرَفَ عَنه، وقد جاءَ مَصدَرُه في الآيةِ الثّامِنةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة: نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. فالذي يَلوي يُغَيِّرُ ما يُؤَدّيه، والذي يُعرِضُ يَترُكُ أداءَه، و«أو» تَضَعُ الفِعلَينِ جَنباً إلى جَنبٍ في شَرطٍ واحِد.

وجَوابُ الشَّرط: «فإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعمَلونَ خَبيراً». والخَبيرُ من خ-ب-ر، مَن يَنفُذُ عِلمُه إلى باطِنِ الأمرِ وخَفاياه، والوَصفُ يُلائمُ الفِعلَين: الشَّهادةُ المَلويّةُ تَبدو في ظاهِرِها شَهادة، والإعراضُ سُكوتٌ لا يُرى فيه شَيء، وكِلاهُما مِمّا يَخفى، فخُتِمَتِ الآيةُ بِمَن يَبلُغُ عِلمُه ما يَخفى. وقد خُتِمَتِ الآيةُ الثّامِنةُ والعِشرونَ بَعدَ المِئةِ بِالجُملةِ نَفسِها بَعدَ شَرطٍ آخَر: وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، فالجَوابُ الواحِدُ يَقَعُ هُناكَ بَعدَ الإحسانِ والتَّقوى، وهُنا بَعدَ اللَّيِّ والإعراض.


حَصيلة

تَأمُرُ الآيةُ الذينَ آمَنوا أن يَكونوا قَوّامينَ بِالقِسط، والقَوّامُ من ق-و-م مَن يَتَكَرَّرُ قِيامُه حتّى يَصيرَ صِفَتَه، والقِسطُ من ق-س-ط حِصّةٌ تُقطَعُ بِدِقّةٍ لِمُستَحِقِّها، وأن يَكونوا شُهَداءَ لِلّهِ وإن وَقَعَت شَهادَتُهُم على أنفُسِهِم ثُمَّ على الوالِدَينِ ثُمَّ على الأقرَبين، وهُما الزَّوجُ الذي سَمّى بِه أوَّلُ السّورةِ تارِكي المال. ثُمَّ تَرُدُّ حالَ الغِنى وحالَ الفَقرِ إلى اللهِ الذي هو أولى بِهِما، وتَنهى عن اتِّباعِ الهَوى، والهَوى من ه-و-ي خَلاءٌ لا يُمسِكُ ما يَقَعُ فيه، و«أن تَعدِلوا» يَحتَمِلُ عَدلاً يُكرَهُ وعُدولاً يُراد، والوَجهانِ يَلتَقيانِ في مُفارَقةِ الاستِواء. وتَختِمُ بِشَرطٍ يَجمَعُ اللَّيَّ، من ل-و-ي، والإعراضَ، من ع-ر-ض، وجَوابُه خَبيرٌ يَبلُغُ عِلمُه ما يَخفى من شَهادةٍ مَلويّةٍ أو مَتروكة.