النساء · الآية 8

﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا

«وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ»: قِسمةٌ يَشهَدُها غَيرُ أهلِها

بَعدَ أن أثبَتَتِ الآيةُ السّابِقةُ الأنصِبةَ لِأصحابِها، تَلتَفِتُ هذه الآيةُ إلى مَن يَقِفُ عِندَ القِسمةِ ولا نَصيبَ لَه فيها مَفروض. و«إذا» تَجعَلُ الحُضورَ أمراً مُتَوَقَّعاً يَقَعُ كُلَّما قُسِمَ مال، و«حَضَرَ» من ح-ض-ر، والحُضورُ أن يَأتِيَ المَرءُ المَوضِعَ فيَكونَ فيه بِشَخصِه، ومنه «الحَضَر» خِلافُ البادية. والقِسمةُ من ق-س-م، قَطعُ الشَّيءِ أجزاءً يُلحَقُ كُلُّ جُزءٍ مِنها بِصاحِبِه، وتَعريفُها يَرُدُّها إلى القِسمةِ التي أُثبِتَت أنصِبَتُها في الآيةِ قَبلَها، ولا يَرِدُ هذا الاسمُ مُعَرَّفاً في الكِتابِ في غَيرِ هذا المَوضِع.

والقِسمةُ في الآيةِ هي المَحضورة، والحاضِرونَ يَأتونَها ويَقِفونَ عِندَها، فهي حَدَثٌ يُشهَدُ ويُرى، والذينَ يَحضُرونَه يَرَونَ المالَ يُقَطَّعُ ويُفَرَّقُ على غَيرِهِم. والآيةُ تَبني حُكمَها على هذا المَشهَدِ نَفسِه: حاجةٌ حاضِرةٌ أمامَ مالٍ يُقسَم.

«أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ»: ثَلاثةٌ حَضَروا بِقَرابَتِهِم وحاجَتِهِم

والحاضِرونَ ثَلاثة: «أولو القُربى»، و«أولو» بِمَعنى أصحاب، فهُم أصحابُ قَرابةٍ على العُموم، والقُربُ من ق-ر-ب، اتِّصالٌ يُدني الشَّيءَ من غَيرِه، والجِذرُ نَفسُه جاءَ في الآيةِ قَبلَها في «الأقرَبونَ»، وهُم هُناكَ مَعَ الوالِدَينِ التّارِكونَ الذينَ يُقسَمُ ما تَرَكوه، وهو هُنا في حاضِرينَ يُرزَقونَ من ذلك المَتروك. ثُمَّ «اليَتامى»، وهُمُ الذينَ فُتِحَت بِهِم هذه الآيات، ثُمَّ «المَساكين»، جَمعُ مِسكين، من س-ك-ن، مَن سَكَنَت حَرَكَتُه في طَلَبِ عَيشِه فلَزِمَ مَكانَه، وفي الكِتابِ يوصَفُ لاصِقاً بِالتُّراب: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.

وهذه الأصنافُ الثَّلاثةُ تَجتَمِعُ في الكِتابِ في مَواضِعِ العَطاء، كما في وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ﴾، وتَجيءُ هُنا عِندَ القِسمة، فالآيةُ تُدخِلُ مَن يَذكُرُهُمُ الكِتابُ في الإنفاقِ إلى مَجلِسِ قِسمةِ المَتروك، وتَجعَلُ لَهُم فيه حَقّاً سَبَبُه حُضورُهُم وحاجَتُهُم وقَرابَتُهُم.

«فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ»: رِزقٌ يُقتَطَعُ من المَقسوم

وجاءَ الجَوابُ بِالفاء: «فارزُقوهُم مِنه». والرِّزقُ هُنا قِطعةٌ تُجرى إلَيهِم من المالِ الذي بَينَ الأيدي، والجِذرُ ر-ز-ق جَرَيانٌ يُقطَعُ عِندَ قَدرٍ مَعلوم، والهاءُ في «مِنه» تَعودُ إلى المَتروك، فالرِّزقُ جُزءٌ يُقتَطَعُ من المالِ نَفسِه وهو يُقسَم. وقد جاءَ رِزقُ السُّفَهاءِ في الآيةِ الخامِسةِ بِـ«في»: «وارزُقوهُم فيها»، والمالُ هُناكَ قِوامٌ باقٍ في يَدِ القائِمِ عَلَيه، فجَرى الرِّزقُ فيه وهو قائِم، والمالُ هُنا يَنحَلُّ حِصَصاً ويَخرُجُ من يَدِ صاحِبِه الأوَّل، فأُخِذَ الرِّزقُ «مِنه» بَعضاً يُقتَطَع.

والآيةُ تَترُكُ قَدرَ هذا الرِّزقِ مَفتوحاً وتَجعَلُه إلى المُخاطَبينَ بِـ«فارزُقوهُم»، فالنَّصيبُ في الآيةِ السّابِقةِ مَفروضٌ مَحزوز، والرِّزقُ في هذه الآيةِ عَطاءٌ يُقَدِّرُه مَن بِيَدِه المالُ في ساعةِ القِسمة. وبِهذا تَضَعُ الآيَتانِ مُتَجاوِرَتَينِ حَقّاً مَحدوداً لِأصحابِ الأنصِبة، وحَقّاً مَفتوحاً لِمَن حَضَرَ بِلا نَصيب.

«وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا»: قَولٌ يَصحَبُ العَطاء

ثُمَّ خُتِمَت بِالعِبارةِ التي خُتِمَت بِها آيةُ السُّفَهاء: «وقولوا لَهُم قَولاً مَعروفاً»، فاجتَمَعَ في الآيَتَينِ عَطاءٌ تَقبِضُه اليَدُ وكَلامٌ تَسمَعُه الأُذُن. والمَعروفُ هُنا كَلامٌ يَتَلَقّاهُ مَن حَضَرَ بِحاجَتِه فيَعرِفُ خَيرَه. وقد وَزَنَ الكِتابُ القَولَ المَعروفَ بِالعَطاءِ نَفسِه في قَولِه: قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾، فالكَلِمةُ المَعروفةُ تَحفَظُ العَطاءَ من أن يَصحَبَه ما يُؤذي، وهي في هذه الآيةِ تَقتَرِنُ بِالرِّزقِ في أمرٍ واحِد.


حَصيلة

تَلتَفِتُ الآيةُ من الأنصِبةِ المَفروضةِ إلى مَن يَحضُرُ قِسمَتَها بِلا نَصيب: أولي القُربى، واليَتامى، والمَساكينِ الذينَ أسكَنَتهُمُ الحاجة. والحُضورُ من ح-ض-ر مَجيءٌ بِالشَّخصِ إلى المَوضِع، والقِسمةُ من ق-س-م قَطعُ المالِ أجزاءً تُلحَقُ بِأصحابِها، فالمَشهَدُ مالٌ يُقَطَّعُ أمامَ مَن يَحتاج. وتَأمُرُ بِرِزقِهِم «مِنه»، أي بِجُزءٍ يُقتَطَعُ من المَقسومِ نَفسِه، بَعدَ أن كانَ رِزقُ السُّفَهاءِ «فيها» من مالٍ يَبقى قائِماً، وتَترُكُ قَدرَه لِلمُخاطَبين، ثُمَّ تَقرِنُه بِقَولٍ مَعروفٍ يَحفَظُ العَطاءَ مِمّا يُؤذي.