النساء · الآية 7

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا

«لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ ... وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ»: حِصّتانِ في جُملَتَينِ تامَّتَين

تَنتَقِلُ السّورةُ من مالِ اليَتيمِ القائِمِ في يَدِ غَيرِه إلى المالِ الذي يَترُكُه المَوتى، وتَبدَأُ بِما لِلرِّجال: «لِلرِّجالِ نَصيبٌ»، واللّامُ تَجعَلُ النَّصيبَ حَقّاً يَختَصّونَ بِه. ثُمَّ عُدِلَ عَن جَمعِ الفَريقَينِ في عِبارةٍ واحِدةٍ إلى جُملَتَينِ تامَّتَين، فأُعيدَ الكَلامُ كُلُّه لِلنِّساء: «ولِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبون»، لِكُلِّ فَريقٍ لامُه ونَصيبُه ومَنبَعُ نَصيبِه. فحَقُّ النِّساءِ في الآيةِ قائِمٌ في جُملَتِه، مَذكورٌ بِلَفظِه كامِلاً، يُقرَأُ وَحدَه كما يُقرَأُ حَقُّ الرِّجالِ وَحدَه.

والنَّصيبُ من ن-ص-ب، والجِذرُ يَدورُ على إقامةِ الشَّيءِ ظاهِراً ثابِتاً في مَوضِعِه، ومنه وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، فالنَّصيبُ حِصّةٌ مَنصوبةٌ لِصاحِبِها، قائِمةٌ لَه تُرى وتُعرَفُ قَبلَ أن تُقبَض. وتَكرارُ اللَّفظِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في الآيةِ يُثَبِّتُ الحِصّةَ في كُلِّ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه أصحابُها. وهذا التَّركيبُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ فيما يَكسِبُه الفَريقان: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، فلِكُلِّ فَريقٍ في المَوضِعَينِ جُملَتُه ونَصيبُه، مَرّةً مِمّا يُترَكُ لَه ومَرّةً مِمّا يَكسِبُه بِيَدِه.

«مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ»: ما يَبقى بَعدَ مَن وَلَدَ ومَن قَرُب

و«مِمّا تَرَكَ» تُعَيِّنُ مَنبَعَ النَّصيب، و«مِن» تَجعَلُه بَعضاً من كُلّ. والتَّركُ من ت-ر-ك، مُفارَقةٌ تَتِمُّ ويَبقى المَتروكُ في مَوضِعِه بَعدَ ذَهابِ صاحِبِه. والتّارِكونَ «الوالِدانِ والأقرَبون»: الوالِدانِ من و-ل-د، الأبُ والأُمُّ جُمِعا بِاسمِ الفِعلِ الذي خَرَجَ بِه الوَلَد، والأقرَبونَ جَمعُ الأقرَب، فهُم أدنى النّاسِ صِلةً بِمَن يَأخُذُ عَنهُم. فالمالُ في الآيةِ يَرجِعُ في المَجرى الذي جاءَ مِنه الآخِذ: من الوالِدَينِ إلى مَن وَلَدا، ومن القَريبِ إلى قَريبِه.

وهذا الزَّوجُ من الألفاظِ جاءَ في آيةِ الوَصيّةِ من الجِهةِ الأُخرى: إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فالوالِدانِ والأقرَبونَ هُناكَ مَن يُوصى لَهُم مِمّا يَترُكُه الذّاهِب، وهُم هُنا التّارِكون، والفِعلُ في المَوضِعَينِ واحِد. فالمالُ يَجري بَينَ الأقارِبِ في الاتِّجاهَين، ويَحمِلُه في كُلِّ مَرّةٍ جِذرُ التَّرك: ما يُخَلِّفُه الذّاهِبُ لِمَن يَبقى.

«مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ»: حِصّةٌ تَثبُتُ في القَليلِ ثُبوتَها في الكَثير

ثُمَّ أُعيدَت «مِمّا» ثالِثةً لِتَعُمَّ المَقاديرَ كُلَّها: «مِمّا قَلَّ مِنه أو كَثُر». والقِلّةُ من ق-ل-ل، قَدرٌ مَحصورٌ تَحوزُه اليَدُ ولا يَفيضُ عَنها، والكَثرةُ من ك-ث-ر، تَكاثُفٌ يَتَوالَدُ ويَمتَدّ، و«أو» تُسَوّي بَينَهُما في الحُكم، فالنَّصيبُ ثابِتٌ فيما تَحمِلُه اليَدُ الواحِدةُ ثُبوتَه في الكَثيرِ المُتَراكِم. والهاءُ في «مِنه» تَعودُ إلى المَتروك، فالقِلّةُ والكَثرةُ وَصفانِ لِلمالِ نَفسِه، والحِصّةُ تَتبَعُه صَغُرَ أو عَظُم، فيُقسَمُ القَليلُ كما يُقسَمُ الكَثير.

«نَصِيبًا مَّفْرُوضًا»: حِصّةٌ مَحزوزةٌ في المال

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالنَّصيبِ مَرّةً ثالِثة: «نَصيباً مَفروضاً»، فعادَ اللَّفظُ بَعدَ القِلّةِ والكَثرةِ مَوصوفاً بِما يُحكِمُه. والفَرضُ من ف-ر-ض، حَزٌّ يُشَقُّ في الشَّيءِ فيَثبُتُ فيه، ومنه «فُرضةُ القَوس» الحَزُّ الذي يَستَقِرُّ فيه الوَتَر، و«فَرَضَ لَه في العَطاء» قَطَعَ لَه قَدراً مَعلوماً. فالنَّصيبُ المَفروضُ حِصّةٌ حُزَّ مِقدارُها في المالِ قَبلَ أن يُقسَم، ثابِتةٌ ثُبوتَ الحَزِّ في العود.

والآيةُ تُثبِتُ الحَزَّ وتَترُكُ مَقاديرَه لِما تُفَصِّلُه السّورةُ بَعدُ، حينَ تَختِمُ قِسمةَ الأولادِ والأبَوَينِ بِقَولِه: فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ﴾، فيَرجِعُ الجِذرُ نَفسُه في الخِتامِ اسماً لِما فُصِّل. وبِهذا تَكونُ هذه الآيةُ أصلاً تَقومُ عَلَيه القِسمة: لِكُلٍّ من الرِّجالِ والنِّساءِ حِصّةٌ مَنصوبةٌ في كُلِّ ما يُترَك، مَحزوزةٌ قَبلَ أن يُعرَفَ قَدرُها.


حَصيلة

تَجعَلُ الآيةُ لِلرِّجالِ نَصيباً ولِلنِّساءِ نَصيباً في جُملَتَينِ تامَّتَين، لِكُلِّ فَريقٍ لامُه وحِصَّتُه ومَنبَعُ حِصَّتِه، والنَّصيبُ من ن-ص-ب حِصّةٌ مَنصوبةٌ ظاهِرةٌ لِصاحِبِها. ومَنبَعُ النَّصيبِ ما تَرَكَه الوالِدانِ والأقرَبون، والتَّركُ من ت-ر-ك مُفارَقةٌ يَبقى بَعدَها المَتروكُ لِمَن بَقِي، وهذا الزَّوجُ من الألفاظِ يُوصى لَه في آيةِ الوَصيّةِ ويَترُكُ هُنا. ويَعُمُّ النَّصيبُ القَليلَ والكَثيرَ من المَتروك، ثُمَّ يوصَفُ بِأنَّه مَفروض، والفَرضُ من ف-ر-ض حَزٌّ ثابِتٌ في الشَّيء، فالحِصّةُ مَحزوزةٌ قَبلَ القِسمة، ومَقاديرُها لِما تُفَصِّلُه السّورةُ بَعدُ.