النساء · الآية 33

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا

«وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ»: قُرَباءُ يَلونَ ما يُترَك

تَصِلُ الآيةُ ما قيلَ في النَّصيبِ بِما يَترُكُه المَيِّت، فتَقولُ «ولِكُلٍّ جَعَلنا مَوالِيَ». و«كُلّ» مُنَوَّنةٌ حُذِفَ ما تُضافُ إلَيه، والمَحذوفُ يَصلُحُ أن يَكونَ كُلَّ واحِدٍ من النّاس، وأن يَكونَ كُلَّ مالٍ مَتروك، والآيةُ تُبقي التَّقديرَ مَفتوحاً على الوَجهَين: لِكُلِّ إنسانٍ مَوالٍ يَلونَه، ولِكُلِّ مَتروكٍ مَوالٍ يَلونَه. والمَوالي جَمعُ مَولى، من و-ل-ي، والوَليُ القُربُ والتَّتابُع، أن يَقَعَ الشَّيءُ بَعدَ الشَّيءِ لا فاصِلَ بَينَهُما، ومنه «وَلِيَه» إذا جاءَ في إثرِه، فالمَوالي الذينَ يَلونَ المَيِّتَ ويَأتونَ في مَوضِعِه من مالِه. والفِعلُ «جَعَلنا» بِضَميرِ العَظَمة، فهذا القُربُ الذي يَنتَقِلُ بِه المالُ جَعلٌ من الله، والنّاسُ فيه آخِذونَ مِمّا جُعِلَ لَهُم.

و«مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبون» عِبارةٌ جاءَت بِحُروفِها في أوَّلِ ما قيلَ في الإرث: لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، فالآيةُ تَعودُ إلى ذلك الأصلِ بَعدَ أن فُصِّلَت أنصِبَتُه، وتَجمَعُه في لَفظٍ واحِد: لِكُلِّ مَتروكٍ مَن يَليه. والتَّركُ من ت-ر-ك، أن يُخَلِّيَ المَرءُ الشَّيءَ ويَمضيَ عَنه، فالمالُ المَتروكُ مالٌ فارَقَه صاحِبُه، والوالِدانِ والأقرَبونَ هُمُ التّارِكون، ومَواليهِم مَن يَلونَهُم فيه. و«الأقرَبون» جَمعُ الأقرَب، من ق-ر-ب، فالتّارِكونَ هُمُ الأدنَونَ رَحِماً، ومَوالي كُلٍّ مَن يَليه في هذا القُرب.

«وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ»: رِباطٌ عَقَدَتْه اليَد

ثُمَّ عَطَفَتِ الآيةُ صِنفاً ثانياً: «والذينَ عَقَدَت أيمانُكُم». والعَقدُ من ع-ق-د، شَدُّ طَرَفَيِ الحَبلِ حتّى يَصيرا عُقدةً لا تَنحَلُّ إلّا بِحَلّ، ومنه العُقودُ التي أُمِرَ المُخاطَبونَ بِالوَفاءِ بِها. والأيمانُ جَمعُ يَمين، من ي-م-ن، وهي اليَدُ اليُمنى، بِها يُعطى العَهدُ وتُصافَحُ الأيدي عَلَيه، ومنه سُمِّيَ الحَلِفُ يَميناً، وقد جَمَعَ الكِتابُ بَينَ العَقدِ والأيمانِ في الحَلِف: وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾. فـ«الذينَ عَقَدَت أيمانُكُم» قَومٌ رَبَطَتْهُم بِكُم أيديكُم وأقسامُكُم، رِباطاً صَنَعتُموه أنتُم.

وبِهذا تَضَعُ الآيةُ نَوعَينِ من القُربِ جَنباً إلى جَنب: قُربٌ «جَعَلناه»، يَجري في الوالِدَينِ والأقرَبين، وقُربٌ «عَقَدَتْه أيمانُكُم»، يَصنَعُه النّاسُ بِعُهودِهِم. وجاءَ في الثّاني أمرٌ بِالإيتاء: «فآتوهُم نَصيبَهُم»، والفاءُ تَربِطُ الأمرَ بِالعَقدِ رَبطَ النَّتيجةِ بِسَبَبِها، فمَن عَقَدتُم مَعَه عَقداً فلَه بِعَقدِه نَصيب. وإضافةُ «نَصيبَهُم» إلَيهِم تَجعَلُه حَقّاً قائماً لَهُم قَبلَ أن يُؤتَوه، والنَّصيبُ من الجِذرِ الذي نَصَبَتْ بِه الآيةُ السّابِقةُ لِلرِّجالِ والنِّساءِ حَظَّهُم مِمّا اكتَسَبوا. ويَبقى قَدرُ هذا النَّصيبِ ونَوعُه في الآيةِ مَفتوحَين.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا»: شاهِدٌ حاضِرٌ على كُلِّ عَقد

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالشَّهادة، من ش-ه-د، والشَّهيدُ الحاضِرُ الذي يَرى ما يَجري أمامَه ويَحفَظُه لِيُؤَدّيَه. و«على كُلِّ شَيء» تَضَعُ الشَّهادةَ فَوقَ كُلِّ ما في الآية: فَوقَ ما جَعَلَه اللهُ من قُربِ الأرحام، وفَوقَ ما عَقَدَتْه الأيمانُ من عُهود. وخِتامُ الآيةِ بِالشَّهيدِ يَجعَلُ لِكُلِّ عَقدٍ شاهِداً حاضِراً وإن غابَ عَنه النّاس، والوَفاءُ بِالنَّصيبِ مَرعيٌّ بِهذه الشَّهادة.


حَصيلة

تَجمَعُ الآيةُ ما فُصِّلَ من الإرثِ في أصلٍ واحِد: لِكُلٍّ، إنساناً كانَ أو مالاً مَتروكاً، مَوالٍ من و-ل-ي يَلونَه في ما تَرَكَه الوالِدانِ والأقرَبون، بِعِبارةٍ تُعيدُ حُروفَ الآيةِ التي افتُتِحَ بِها الكَلامُ في الإرث، وهذا القُربُ من جَعلِ الله. ثُمَّ تَضَعُ إلى جانِبِه قُرباً من صُنعِ النّاس: الذينَ عَقَدَت أيمانُكُم، والعَقدُ من ع-ق-د شَدٌّ يَصيرُ عُقدة، والأيمانُ من ي-م-ن الأيدي التي يُعطى بِها العَهدُ والأقسامُ التي تَشُدُّه، وتَأمُرُ لَهُم بِنَصيبٍ مُضافٍ إلَيهِم تَرَكَت قَدرَه ونَوعَه مَفتوحَين. وتُختَمُ بِشَهيدٍ على كُلِّ شَيء، حاضِرٍ عِندَ كُلِّ عَقدٍ وإن لم يَحضُرْه أحَد.