الإسراء · الآية 39

﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا

«ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ»: بَعضٌ مَرَّتَين

الإشارةُ هي إشارةُ الآيةِ التي قَبلَها: «ذلك» بَعدَ «كُلُّ ذلك». وُزِنَ المَجموعُ هُناك، ويُسَمّى هُنا. والاسمُ الذي يُعطاهُ لَيسَ «شَريعة» ولا «أحكام»؛ هو «الحِكمة»، وهي مُوحاةٌ لا مُستَنبَطة.

وجاءَت «مِن» مَرَّتَين: «مِمّا أَوحى» ثُمَّ «مِنَ الحِكمة». فالمَقطَعُ بَعضٌ من مُوحىً، وبَعضٌ من حِكمة، ولا يُدَّعى أنَّه الوَحيُ كُلُّه ولا الحِكمةُ كُلُّها. حَرفانِ يَمنَعانِ القائِمةَ أن تَنغَلِقَ على نَفسِها.

والوَحيُ (و ح ي) إيصالٌ في مَجرىً ضَيِّقٍ يَسري لَطيفاً سَريعاً، والحِكمةُ (ح ك م) إمساكٌ يَحتَوي فيَمنَعُ الانفِلات. فما تَقَدَّمَ من إيفاءِ كَيلٍ ووَزنٍ بِقِسطاسٍ وكَفٍّ عن اقتِفاءِ ما لا يُملَكُ عِلمُه: كُلُّ ذلك يُقالُ عنه إنَّه أُلقِيَ في مَجرىً ضَيِّقٍ إلى قَلبٍ واحِد، وإنَّه إمساكٌ يَمنَعُ الانفِلات. الأحكامُ لَم تُسَمَّ قُيوداً، سُمِّيَت حِكمةً مُوحاة.

«وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ»: النَّهيُ الذي فَتَحَ المَقطَعَ يُغلِقُه

هذه الجُملةُ مَسموعةٌ قَبلَ الآن. افتُتِحَ المَقطَعُ بِها بِحَرفِها: لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾، ثُمَّ جَرى ما جَرى، ثُمَّ عادَت هُنا كما هي، لم يُزَدْ عليها إلّا واوُ العَطفِ في صَدرِها. فما بَينَ المَوضِعَينِ مُسَوَّرٌ بِنَهيٍ واحِدٍ قيلَ مَرَّتَين.

وبَينَهُما ثالِثةٌ تَحمِلُ الفِعلَ نَفسَه: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾، وجَوابُها فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. فثَلاثةُ نَواهٍ بِفِعلِ الجَعل، وثَلاثةُ أجوِبةٍ بِالفاء. والجَعلُ (ج ع ل) وَضعُ الشَّيءِ في مَحَلٍّ يَلزَمُه، فالمَنهِيُّ عنه إقرارُ شَيءٍ في مَوضِعٍ يَثبُتُ فيه، لا خاطِرٌ يَمُرّ.

«فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ»: من فِعلٍ تَفعَلُه إلى فِعلٍ يُفعَلُ بِك

الجَوابانِ الأوَّلانِ فِعلٌ لِلمُخاطَبِ نَفسِه: «فَتَقْعُدَ»، وهو مَبنِيٌّ لِلفاعِل. والجَوابُ الثّالِثُ مَبنِيٌّ لِلمَفعول: «فَتُلْقَىٰ». في الأوَّلَينِ يَقعُدُ هو، وفي الثّالِثِ يُحمَلُ ويُرمى. هُنا يَرتَفِعُ الجَواب.

والإلقاءُ (ل ق ي) تَعَلُّقٌ يُطلَقُ إطلاقاً قاطِعاً ثُمَّ يَسري إلى مَحَلِّه: رَميُ الشَّيءِ حتّى يَنفَصِلَ عن الرّامي فلا يَرجِعَ إليه. وقد سُكِتَ عن المَوضِعِ في الجَوابَينِ الأوَّلَين، وسُمِّيَ هُنا: «فِي جَهَنَّمَ». فبَعدَ قُعودٍ بِلا مَكانٍ مَذكور، إلقاءٌ في مَكانٍ مُسَمّى.

«مَلُومًا مَّدْحُورًا»: كَلِمَتانِ سُمِعَتا في السّورةِ قَبلَ هذا المَوضِع

الوَصفانِ الأخيرانِ لَيسا جَديدَين. «مَلُومًا» وَقَعَ جَواباً لِلنَّهيِ الأوسَطِ في فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. و«مَدْحُورًا» سُمِعَ قَبلَ افتِتاحِ المَقطَعِ أصلاً، في ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾، وهُناكَ سُمِّيَت جَهَنَّمُ أيضاً، وهُناكَ كانَ الفاعِلُ في الجَعلِ هو اللهُ لا الإنسان.

فالخاتِمةُ لا تَأتي بِلَفظٍ لم تَسمَعْه السّورة. تَجمَعُ ما تَفَرَّقَ: مَوضِعٌ ذُكِرَ في ١٧:١٨، ووَصفٌ ذُكِرَ في ١٧:١٨، ووَصفٌ ذُكِرَ في ١٧:٢٩، ونَهيٌ ذُكِرَ في ١٧:٢٢. واللَّومُ (ل و م) قَولٌ يَتَعَلَّقُ بِصاحِبِه ويُوصَلُ بِه فلا يُفارِقُه، والدَّحرُ (د ح ر) دَفعٌ نافِذٌ يَجري مُمتَدّاً فلا يَدَعُ المَدفوعَ يَعود. فالأوَّلُ يُلصِقُ والثّاني يُبعِد، ويَجتَمِعانِ في واحِد: مَحمولٌ عليه لا يَنفَكُّ عنه، ومَدفوعٌ لا يَرجِع.


حَصيلة

يُغلَقُ القَوسُ بِالحَرفِ الذي فُتِحَ بِه. النَّهيُ الذي افتَتَحَ المَقطَعَ في ١٧:٢٢، لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ، يَعودُ هُنا كما هو ولا يُزادُ عليه إلّا واوٌ في صَدرِه، فما بَينَهُما مُسَوَّرٌ بِنَهيٍ واحِدٍ قيلَ مَرَّتَين. والجَوابُ وَحدَه هو الذي تَغَيَّر: كانَ «فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا»، ومَرَّ بَينَهُما بِـ«فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا»، وصارَ هُنا «فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا». فِعلٌ يَفعَلُه المُخاطَبُ يَنقَلِبُ فِعلاً يُفعَلُ بِه، ومَوضِعٌ مَسكوتٌ عنه يُسَمّى. ولا يَجيءُ الخِتامُ بِلَفظٍ غَريب: «مَلُومًا» سُمِعَ في الجَوابِ الأوسَط، و«مَدْحُورًا» ومَعَه «جَهَنَّم» سُمِعا في ١٧:١٨ قَبلَ أن يُفتَحَ المَقطَعُ أصلاً. ثُمَّ يُسَمّى هذا كُلُّه «مِنَ الْحِكْمَةِ» مُوحىً بِه، بَعضاً من بَعض. فما بَدَأ نَهياً واحِداً انتَهى نَهياً واحِداً، والذي ارتَفَعَ بَينَهُما لَيسَ الحُكمَ بل الجَواب.