الإسراء · الآية 86

﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا

«وَلَئِن شِئْنَا»: شَرطٌ يَحمِلُه قَسَم

اللّامُ في «لَئِن» مُوَطِّئةٌ لِقَسَمٍ لم يُنطَقْ بِه، ثُمَّ «إن» أداةُ شَرط، ثُمَّ يَأتي الجَوابُ مُؤَكَّداً بِلامٍ ونونٍ ثَقيلة: «لَنَذْهَبَنَّ». فالبِناءُ كُلُّه تَشديدٌ على تَشديد.

ولاحِظْ ما عُلِّقَ عَلَيه. لم يُقَلْ «ولَئِن كَفَروا» ولا «ولَئِن أعرَضوا» ولا «ولَئِن أساؤوا». عُلِّقَ على «شِئْنَا» وَحدَها. لا سَبَبَ في العالَمِ يَستَدعي الأخذ، ولا فِعلَ من أحَدٍ يَستَوجِبُه. الشَّرطُ مَشيئةٌ لا جَريرة.

والجَذرُ ش-ي-أ يَجري نافِذاً مُمتَدّاً ثُمَّ تَقطَعُه الهَمزةُ فيَتَعَيَّن، ومنه «الشَّيء» لِما تَعَيَّنَ فصارَ يُشارُ إلَيه. فالمَشيئةُ تَعيينُ واحِدٍ مِمّا يُمكِنُ وقَطعٌ بِه.

«لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي»: أخذٌ يَمضي بِه لا إهلاكٌ يُبقيه

الفِعلُ لازِمٌ عُدِّيَ بِالباء: «نَذهَبُ بِه». ولَو أُريدَ الإفسادُ لَقيلَ «لَنُهلِكَنَّه»، ولَو أُريدَ المَحوُ لَقيلَ «لَنَمحُوَنَّه». قيلَ «نَذهَبُ بِه»، وباءُ التَّعدِيَةِ تَجعَلُ المَجرورَ مَصحوباً مَعَ الذّاهِب.

والجَذرُ ذ-ه-ب مُضِيٌّ يَنفُذُ فيَخلو مَوضِعُه ويَخرُجُ عنه. فالأخذُ هُنا انصِرافٌ يَحمِلُ ما أُنزِلَ ويَمضي بِه، لا كَسرٌ يَتَخَلَّفُ عنه رُكام. يَبقى المَوضِعُ فارِغاً ولا يَبقى فيه أثَرٌ يُجمَع.

وقد قالَتِ السّورةُ قَبلَ خَمسِ آياتٍ إنَّ الباطِلَ خَلا مَوضِعُه من نَفسِه. وتَقولُ هذه إنَّ ما أُوحِيَ قد يَخلو مَوضِعُه بِمَشيئةٍ لا بِطَبع. خَلاءٌ يَقَعُ من داخِلِ الشَّيءِ هُناك، وخَلاءٌ لا يَقَعُ إلّا بِإرادةٍ من فَوقُ هُنا.

«أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»: تَعريفٌ بِالفِعلِ لا بِالاسم

لم يُسَمَّ المَأخوذُ بِاسمِه. لم يُقَلْ «بِالقُرآنِ» ولا «بِالكِتاب». قيلَ «بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ»: مَوصولٌ وصِلةٌ واحِدةٌ هي فِعلُ من أوحاه.

وهذا صَنيعُ السّورةِ في مَواضِعَ منها. تَقولُ الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ فتُعَرِّفُ بِالإراءةِ لا بِالمَرئيّ. وهُنا تُعَرِّفُ بِالإيحاءِ لا بِالمُوحى. المَذكورُ في الحالَتَينِ فاعِلٌ وفِعل، والمَوصوفُ مَتروكٌ بِلا وَصف.

والجَذرُ و-ح-ي إيصالٌ مَعقودٌ يَجري في مَضيقٍ فيَبلُغُ واحِداً بِعَينِه. ولِذلك قيلَ «إِلَيْكَ» بِإفرادِ المُخاطَب. مَجرىً ضَيِّقٌ لا يَنفَتِحُ لِغَيرِ صاحِبِه، وهو نَفسُه ما يُهَدَّدُ بِأخذِه.

«ثُمَّ لَا تَجِدُ»: تَراخٍ بَينَ الأخذِ والطَّلَب

«ثُمَّ» لا الفاء. لَو قيلَ «فلا تَجِد» لَكانَ الفَقدُ لاصِقاً بِالأخذِ في لَحظَتِه. و«ثُمَّ» تُباعِدُ بَينَهُما، فتَتَركُ فُسحةً يُطلَبُ فيها ولا يُوجَد. الفَقدُ يَظهَرُ بَعدَ البَحثِ لا قَبلَه.

و«تَجِدُ» بِإفرادِ المُخاطَبِ لا بِجَمعِه. وقد قالَتِ السّورةُ الفِعلَ نَفسَه مَجموعاً في مَوضِعٍ آخَر: ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. هُناكَ جَماعةٌ لا تَجِد، وهُنا واحِدٌ لا يَجِد. الصّيغةُ واحِدةٌ والعَدَدُ اختَلَف.

«لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا»: نَفيٌ مُسَوَّرٌ من ثَلاثِ جِهات

قَبلَ أن يُذكَرَ المَنفيُّ تَتَقَدَّمُه ثَلاثةُ جارّاتٍ في نَسَق: «لَكَ» ثُمَّ «بِهِ» ثُمَّ «عَلَيْنَا». لِمَن، وفيمَ، وعلى مَن. ثُمَّ يُذكَرُ «وَكِيلًا» أخيراً.

فالنَّفيُ لَيسَ مُطلَقاً بَل مُقَيَّداً بِثَلاثةِ قُيود، وكُلُّ قَيدٍ يَسُدُّ جِهة. لَيسَ المَعنى أنَّ الوَكيلَ مَعدومٌ في ذاتِه؛ المَعنى أنَّه لا يُوجَدُ واحِدٌ يَقومُ لَكَ في هذا الأمرِ في وَجهِ الآخِذ.

واقرَأْ «عَلَيْنَا» خاصّةً. القُيودُ الثَّلاثةُ تَنتَهي إلى هذه: الجِهةُ التي يُطلَبُ الوَكيلُ فيها هي جِهةُ المُتَكَلِّمِ نَفسِه. ولَيسَ في السَّطرِ نَفيٌ لِأن يَكونَ وَكيلٌ، بَل نَفيٌ لِأن يَكونَ وَكيلٌ في هذه الجِهة.

و«وَكِيلًا» آخِرُ خَمسِ مَرّاتٍ لِهذه الكَلِمةِ في السّورة. أربَعٌ منها مَنفِيّةٌ وواحِدةٌ مُثبَتة، والمُثبَتةُ وَحدَها هي وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. وقد نُهِيَ عن اتِّخاذِه في ثانِيَةِ السّورة: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا﴾، ثُمَّ نُفِيَ عن المُخاطَبِ من قَبل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. هذا هو النَّفيُ الرّابِع، وهو الأخير.

والجَذرُ و-ك-ل رَبطُ أمرٍ بِمَن يُمسِكُه ويَحوزُه فيَلزَمُه، فالوَكيلُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا حامِلاً مُسَمّى. والسّورةُ تَحجُبُ الحامِلَ أربَعاً وتُسَمّيهِ مَرّةً. ومَن جَمَعَ المَواضِعَ وَجَدَ أنَّ النَّفيَ لا يُخَلّي المَوضِعَ من حامِلٍ، بَل يَرُدُّه إلى الحامِلِ الوَحيدِ الذي سُمِّي.


حَصيلة

لامٌ مُوَطِّئةٌ لِقَسَمٍ لم يُنطَقْ بِه، وشَرطٌ، وجَوابٌ بِلامٍ ونونٍ ثَقيلة: تَشديدٌ فَوقَ تَشديد. والمُعَلَّقُ عَلَيه «شِئْنَا» وَحدَها، لا كُفرٌ ولا إعراضٌ ولا جَريرة، والمَشيئةُ في جَذرِها تَعيينُ واحِدٍ مِمّا يُمكِنُ وقَطعٌ بِه. والفِعلُ لازِمٌ عُدِّيَ بِباءٍ تُصاحِب، فالمُهَدَّدُ بِه انصِرافٌ يَحمِلُ ما أُنزِلَ ويَمضي بِه، لا كَسرٌ يَخلُفُ رُكاماً؛ ولِذلك يَبقى المَوضِعُ فارِغاً ولا يَبقى أثَرٌ يُجمَع. والمَأخوذُ لم يُسَمَّ بِاسمِه بَل عُرِّفَ بِفِعلِ من أوحاه، كَما عُرِّفَت في هذه السّورةِ رُؤيا بِفِعلِ من أراها. و«ثُمَّ» تُباعِدُ بَينَ الأخذِ والفَقد، فتَترُكُ فُسحةَ بَحثٍ يَظهَرُ فيها أن لا شَيء. ثُمَّ تُصَفُّ ثَلاثُ جارّاتٍ قَبلَ المَنفيّ: لِمَن، وفيمَ، وعلى مَن؛ فالنَّفيُ مُسَوَّرٌ لا مُطلَق، وآخِرُ قُيودِه هو الحاسِم: الجِهةُ المَطلوبُ فيها الوَكيلُ هي جِهةُ الآخِذِ نَفسِه. و«وَكِيلًا» خامِسُ مَواضِعِها في السّورة، ورابِعُ نَفيٍ مَعَ إثباتٍ واحِد. والجَذرُ لا يُتَصَوَّرُ لَه مَعنىً بِلا حامِلٍ يُسَمّى، فالسّورةُ إذ تَنفي الحامِلَ أربَعاً لا تُخَلّي المَوضِعَ منه بَل تَرُدُّه إلى الواحِدِ الذي سَمَّتْه.