طه · الآية 77
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ»: مَجرىً ضَيِّقٌ إلى واحِد
لامٌ وقَدْ قَبلَ الفِعل، وهُما تَوكيدٌ على تَوكيد. والخَبَرُ يَقَعُ بَعدَ مَشهَدٍ طَويلٍ من الكَلامِ المُعلَن، فيُذكَرُ ما لَم يَكُن مُعلَناً.
والوَحيُ من و-ح-ي وَصلٌ يَضيقُ مَجراهُ فيَحتَوي ما يَمُرُّ فيه ثُمَّ يَسري. فهو إبلاغٌ في أضيَقِ مَنفَذ.
و«إِلَىٰ مُوسَىٰ» وَحدَه. لَم يُوحَ إلى القَوم، ولَم يُخاطَبوا في هذه الآيةِ بِحَرفٍ واحِد. الأمرُ يَنزِلُ في أُذُنٍ واحِدةٍ ويَحمِلُ سِواها.
«أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي»: باءٌ تَجعَلُ السّائِرَ حامِلاً
الفِعلُ أمرٌ مَحذوفُ الآخِر: «أَسْرِ». وهو على وَزنِ أفعَلَ، والهَمزةُ فيه تَنقُلُ السُّرى إلى غَيرِ السّاري.
والباءُ تَصِلُ الفِعلَ بِمَن يُسرى بِهِم. فلَيسَ المَأمورُ أن يَسيرَ ومَعَه قَوم، بَل أن يُسَيِّرَهُم بِسَيرِه. حِملٌ لا صُحبة.
والإضافةُ في «عِبَادِي» إلى المُتَكَلِّم. لَم يُقَل «بِقَومِكَ» ولا «بِبَني إسرائيلَ»، بَل نُسِبوا إلى الآمِرِ نَفسِه. الذي يَحمِلُهُم يَحمِلُ ما لَيسَ لَه.
«فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ»: المَفعولُ طَريقٌ لا بَحر
وَقَعَ الفِعلُ على «طَرِيقًا». هذا هو المَضروب. و«فِي الْبَحْرِ» جارٌّ ومَجرورٌ يُبَيِّنُ أينَ يَقَعُ الطَّريق، لا ما يَقَعُ عَلَيه الضَّرب.
والضَّربُ من ض-ر-ب ضَغطٌ كَثيفٌ يَقَعُ لَمساً ماسِكاً ثُمَّ يَنفَتِحُ عنه أثَر. فهو إيقاعُ شَيءٍ في مَحَلِّه حَتّى يَثبُتَ فيه، ومنه ضَربُ المَثَلِ وضَربُ الخَيمة.
و«طَرِيقًا» نَكِرةٌ مُفرَدة. واحِدٌ لا يُعَدُّ ولا يُعَرَّف. و«لَهُمْ» تُبَيِّنُ لِمَن هو: طَريقٌ مَضروبٌ لِجَماعةٍ بِعَينِها.
و«الْبَحْرِ» من ب-ح-ر مُتَّسِعٌ مُمسَكٌ بَينَ حَدَّينِ يَجري فيه ما يَجري. ودَخَلَت عَلَيه «في» ظَرفاً. فالآيةُ تَقولُ أينَ الطَّريقُ ولا تَقولُ ما صارَ إلَيه المَوضِعُ حَولَه.
«يَبَسًا»: صِفةٌ لِلطَّريقِ وَحدَه
«يَبَسًا» نَعتٌ مَنصوبٌ يَتبَعُ «طَرِيقًا». الصِّفةُ لِلمَمشى لا لِلمَوضِع.
واليُبسُ من ي-ب-س سَريانٌ يُحتَبَسُ ثُمَّ يُحصَرُ في ضيقٍ حَتّى يَذهَبَ نَداه. فهو ذَهابُ البَلَلِ عن شَيءٍ كانَ فيه.
فمَجموعُ ما قيلَ عن المَوضِع: طَريقٌ، واحِدٌ، مُنَكَّرٌ، في البَحر، يابِس. أربَعُ كَلِماتٍ ولَيسَ بَعدَها كَلِمة. وسَعةُ الصَّمتِ هُنا هي نِصفُ الآية.
«لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ»: مَخافَتانِ إحداهُما مُسَمّاةٌ والأُخرى لا
الفِعلُ الأوَّلُ مَرفوعٌ لا مَجزوم: «لَّا تَخَافُ» لا «لا تَخَفْ». فالجُملةُ حالٌ تَصِفُ ولَيسَت نَهياً يَأمُر.
وقَد قيلَ لَه في هذه السّورةِ بِالجَزم: لَا تَخَفْ﴾. جَذرٌ واحِدٌ في مَوضِعَين، أحَدُهُما يَنهى والآخَرُ يُخبِر. هُناكَ طُلِبَ مِنه ألّا يَخافَ، وهُنا قيلَ إنَّه لا يَخاف.
وعَلِقَ بِالأوَّلِ مَفعولٌ: «دَرَكًا» من د-ر-ك، وهو دَفعٌ يَمتَدُّ حَتّى يَلمِسَ فيُمسِك، لُحوقُ اللاحِقِ بِالسّابِق. فالمَخافةُ الأُولى لَها اسمٌ يُقال.
وجاءَ الثّاني عارِياً: «وَلَا تَخْشَىٰ» بِلا مَفعول. والخَشيَةُ من خ-ش-ي اختِراقٌ يَتَفَشّى في الداخِلِ ويَمتَدُّ. فهي لا تُعَلَّقُ بِشَيءٍ يُلاحَقُ بِه، ولِذلك لَم يُذكَر لَها مُتَعَلَّق.
فجِذرانِ مُختَلِفانِ لِمَخافَتَينِ مُختَلِفَتَين. واحِدةٌ يُسَمّى ما يُخافُ منه، وواحِدةٌ يُسكَتُ عن مُتَعَلَّقِها. والآيةُ تُؤَمِّنُه من الاثنَتَينِ بِلَفظَينِ لا بِلَفظٍ يُكَرَّر.
حَصيلة
لامٌ وقَدْ قَبلَ الفِعلِ يُثَقِّلانِ الخَبَرَ، والوَحيُ من و-ح-ي وَصلٌ يَضيقُ مَجراهُ ثُمَّ يَسري، ووُجِّهَ «إِلَىٰ مُوسَىٰ» وَحدَه فلَم يُخاطَب القَومُ بِحَرف. و«أَسْرِ» أمرٌ مَحذوفُ الآخِرِ على وَزنِ أفعَلَ يَنقُلُ السُّرى إلى غَيرِ السّاري، والباءُ في «بِعِبَادِي» تَجعَلُه حامِلاً لا مُصاحِباً، والإضافةُ إلى المُتَكَلِّمِ لا إلى المَأمور. ثُمَّ يَقَعُ الضَّربُ على «طَرِيقًا» لا على البَحر، و«فِي الْبَحْرِ» ظَرفٌ يُبَيِّنُ مَوضِعَ الطَّريقِ لا مَحَلَّ الفِعل، والضَّربُ من ض-ر-ب إيقاعُ شَيءٍ في مَحَلِّه حَتّى يَثبُت. والطَّريقُ نَكِرةٌ مُفرَدةٌ مَوصوفةٌ بِـ«يَبَسًا» من ي-ب-س، وهو ذَهابُ النَّدى عَمّا كانَ فيه. فمَجموعُ ما قيلَ عن المَوضِعِ أربَعُ كَلِماتٍ ولَيسَ بَعدَها كَلِمة. ويُختَمُ بِمَخافَتَينِ من جِذرَينِ لا من جِذرٍ واحِد: «لَّا تَخَافُ» مَرفوعٌ فهو حالٌ لا نَهي، وقَد قيلَ لَه في السّورةِ نَفسِها بِالجَزمِ «لَا تَخَفْ»؛ ولِلأُولى مَفعولٌ يُسَمّى وهو «دَرَكًا» من د-ر-ك، وللثّانِيَةِ لا مَفعولَ ألبَتّة. فما لَه اسمٌ سُمِّي، وما لا اسمَ لَه تُرِكَ بِلا اسم.