الزلزلة · الآية 5

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا

«بِأَنَّ»: التَّعليلُ الذي يَختِمُ المَشهَد

الباءُ سَبَبيّةٌ هنا، و«أَنَّ» مَصدَريّة، والتَّقديرُ: تُحَدِّثُ أَخبارَها بسَبَبِ أنَّ رَبَّكَ أَوحى لها. فالكَلامُ الذي خَرَجَ من الأرضِ نُطقٌ مَأمور، غَيرُ صَدفَةٍ، ولا هَزّةٍ عَشوائيّةٍ تَلَفَّظَت بشَيء.

وفي الخِطابِ التِفاتٌ في «رَبُّكَ»، والمُخاطَبُ فيه مَن نَزَلَ عَلَيه الخِطاب، وكُلُّ قارئٍ بَعدَه، فالكِتابُ يَتَوَجَّهُ إلَيه في وَسَطِ المَشهَدِ ليُذَكِّرَه أنَّ الرَّبَّ الذي يَعرِفُه هو الذي يُحَرِّكُ هذه الأرضَ في يَومِها، وأنَّ ما يَراه سُلطانُ مَن يَعبُدُه، وليسَ غُربَة.

«أَوحى لَها»: الأرضُ تَتَلَقّى الوَحيَ

والوَحيُ في اللسانِ العَرَبيِّ إشارَةٌ خَفيَّةٌ سَريعَةٌ تَنفُذُ إلى المَأمورِ بِها، أي إلقاءٌ في الباطِنِ يَسري بسُرعَة، دونَ كَلامٍ مُتَطَوِّل. والقرآنُ يَستَخدِمُ الجِذرَ في مَواضِعَ مُتَنَوِّعَة: وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ للنَّحل، وَ«أَوحى لَها» هنا للأرض، فالفِعلُ واحِدٌ، والمُتَلَقّي يَختَلِف.

وما يَنزِلُ على الأرضِ من وَحيٍ أَمرُ تَكلِيفٍ بحالَتِها الأخيرَة، وهو: تَكَلَّمي، وليسَ قُرآناً يُتلى، فتَتَكَلَّم. وهذا الوَحيُ، أي أَن يَفعَلَ المَأمورُ ما يُؤمَر، قد عَجَزَ عَنه الإنسانُ في حالاتٍ كَثيرَة، وتُؤَدّيهِ الأرضُ من أوَّلِ إلقاء، والجَمادُ في هذا الكتابِ أَطوَعُ مِنّا.

«لَها»: التَّخصيصُ بِها وَحدَها

وجاءَ «أَوحى لَها» باللام، وعُدِلَ عن «أَوحى إلَيها» بإلى، وعن «أَوحى علَيها» بعَلى، واللامُ تُفيدُ التَّخصيصَ والاختِصاص، فالوَحيُ الذي نَزَلَ علَيها وَحيٌ خاصٌّ بها، ولكلِّ مَخلوقٍ في هذا الكتابِ ما يَخُصُّه من الإلقاء: للسَّماءِ ما لها، وللأرضِ ما لها، وللنَّحلِ ما لها، ولِلإنسانِ ما لَه.

وفي البَقَرةِ يَنزِلُ الوَحيُ على القَلب: نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فالقَلبُ هناكَ مَحَلُّ القُرآن، والأرضُ هنا مَحَلُّ الإذنِ بالنُّطق، والفِعلُ الإلهيُّ واحِدٌ، والمَحَلُّ يَتَبَدَّل. ومَن يَفقَهُ هذا يَعرِفُ أنّ الكَونَ كلَّه شَبَكةُ تَلَقٍّ، وأنّ صَوتَه الأخيرَ يَتَكَلَّمُ بِما أُلقيَ علَيه.


حَصيلة

تُعَلِّلُ الآيةُ بِالباءِ السَّبَبِيَّة، فالأرضُ تُحَدِّثُ أَخبارَها لِأَنَّ رَبَّكَ «أَوحى لَها» (و-ح-ي). والوَحيُ في هذا الكِتابِ يَنزِلُ على الأَنبياءِ وعلى النَّحلِ وعلى السَّماء، وها هُوَ يَنزِلُ على الأَرض، والأرضُ تُنَفِّذُه دونَ أن تُفَسِّرَه، وما يَنزِلُ علَيها أَمرُ تَكليفٍ بِحالَتِها الأخيرَة: تَكَلَّمي، فتَتَكَلَّم. وفي «رَبُّكَ» التِفاتٌ إلى القارئ، ومَعناه أنَّ الرَّبَّ الذي يَعرِفُه القارئُ هو الذي يُحَرِّكُ هذه الأرضَ في يَومِها، وأنَّ الأَمرَ سُلطانُ مَن يَعبُدُه، غَيرُ غَريب. والجَمادُ في هذا الكِتابِ أَطوَعُ مِنَّا، فالأرضُ تَنطِقُ من أوَّلِ إلقاء، والإنسانُ يَتَردَّدُ في أوامِرَ أَقلَّ ثِقلاً.