طه · الآية 114

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا

«فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ»: اسمانِ بِلا واوٍ بَعدَ اسمَينِ بِلا واو

فاءٌ تُعَقِّبُ على ما قَبلَها، ثُمَّ فِعلٌ على وَزنِ تَفاعَلَ، والوَزنُ يَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه، فالعُلُوُّ قائِمٌ بِه، لا واقِعٌ عَلَيه من غَيرِه.

ومَدارُ ع-ل-و على ارتِفاعٍ يَبرُزُ من عُمقٍ ثُمَّ يوصَلُ بِما بَلَغَه فيَثبُتُ عِندَه، وهو الجَذرُ الذي جَرى في هذه السّورةِ في مَقاماتٍ مُختَلِفةٍ قَبلَ هذا المَوضِع، فطَلَبَه واحِدٌ فلم يَنَلْه، وقيلَ لِواحِدٍ فلم يَطلُبْه.

ثُمَّ جاءَ بَعدَ لَفظِ الجَلالةِ اسمانِ بِلا واوِ عَطف، «الْمَلِكُ» ثُمَّ «الْحَقُّ»، وقد جاءَ مِثلُ هذا الاقتِرانِ في هذا المَقطَعِ قَبلَ ثَلاثِ آيات، اسمانِ لِمَوصوفٍ واحِدٍ بِلا عاطِفٍ بَينَهُما.

والمُلكُ من م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تَكتُمُ ما حازَت، والحَقُّ من ح-ق-ق احتِواءٌ في مَضيقٍ يُحكَمُ عَلَيه بِقَطعٍ فاصِل، فالأوَّلُ يَدُلُّ على سَعةِ الحَوز، والثّاني على إحكامِ الثُّبوت.

«وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ»: نَهيٌ عن الحَرَكةِ لا عن الشَّيء

ثُمَّ نَهيٌ لِمُفرَدٍ مُخاطَب، وقد كانَ الخِطابُ في الآيةِ قَبلَه عن غائِبينَ يُرجى لَهُم، وهو هُنا لِواحِدٍ يُنهى.

والعَجَلةُ من ع-ج-ل، ومَعناها خُروجٌ يَنبَثِقُ من عُمقٍ قَبلَ أن يَتِمَّ إعدادُه ثُمَّ يَمتَدّ، فالمَنهِيُّ عنه صِفةُ الخُروجِ دونَ الخُروجِ نَفسِه.

وعُدِّيَ الفِعلُ بِالباء: «بِالْقُرْآنِ»، فالنَّهيُ عن مُصاحَبةِ العَجَلةِ لَه، ولَيسَ عن القُرآنِ ولا عن تِلاوَتِه.

«مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ»: حَدٌّ يَنتَهي عِندَه النَّهي

والنَّهيُ مَحدودٌ بِزَمَن، و«مِن قَبْلِ» تُبَيِّنُ أنَّ ما بَعدَ الحَدِّ خارِجٌ عنه، فالمَمنوعُ السَّبقُ دونَ الفِعل.

و«يُقْضَىٰ» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، ولا يُسَمّى في الآيةِ فاعِلُ القَضاء.

وعُدِّيَ بِـ«إِلَيْكَ» دونَ «عَلَيْكَ»، فالإتمامُ يَنتَهي إلَيه انتِهاءً، ولا يُوضَعُ عَلَيه وَضعاً.

والوَحيُ من و-ح-ي، وأصلُه إيصالٌ في مَنفَذٍ ضَيِّقٍ مَستورٍ يَسري لَيِّناً، فالمُنتَظَرُ إتمامُ ما يَجري في ضِيق، ومَن استَعجَلَ الجاريَ في المَضيقِ قَطَعَه.

«وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا»: أمرٌ بِقَولٍ، وطَلَبٌ لا ثانِيَ لَه

وعُدِلَ عن «واطلُبْ» وعن «واسألْ» إلى «وَقُلْ»، فالمَأمورُ بِه نُطقٌ بِعَينِه.

ثُمَّ حُذِفَت ياءُ النِّداءِ وبَقِيَ المُنادى مُضافاً إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ مَحذوفةً: «رَبِّ»، وهو نِداءٌ في أقصَرِ صورةٍ يُمكِنُ أن يُقالَ بِها.

ثُمَّ فِعلُ أمرٍ ومَفعولان. وأصلُ ز-ي-د ضَمُّ شَيءٍ إلى شَيءٍ حتّى يَثبُتَ فيه ويُحسَبَ مِنه، فالمَطلوبُ لاحِقٌ بِأصلٍ قائِمٍ، ولَيسَ بَدَلاً عنه.

ولَيسَ في المُصحَفِ المَنشورِ في هذا الكِتابِ زِيادةٌ ثانِيةٌ أُمِرَ صاحِبُ الخِطابِ بِطَلَبِها، فهو مَوضِعٌ واحِدٌ يُقالُ فيه لِلمُخاطَبِ أن يَسألَ المَزيد، ومَسؤولُه عِلم.

والأعجَبُ أنَّ النَّهيَ والأمرَ في آيةٍ واحِدة، فقد نُهِيَ عن الاستِعجالِ بِما يَنزِلُ، وأُمِرَ بِطَلَبِ الزِّيادةِ فيما يُعلَم. فالتَّعجيلُ لا يُطلَبُ والازدِيادُ يُطلَب، والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الأوَّلَ يَسبِقُ والثّانيَ يَتبَع.

«عِلْمًا» ثالِثَ مَنصوبٍ في هذه السّورة

ووَرَدَ هذا الاسمُ مَنصوباً في هذه السّورةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ قَريبةٍ بَعضُها من بَعض، وأُثبِتَ أوَّلاً: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.

ثُمَّ نُفِيَ: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فهي إحاطةٌ مُثبَتةٌ ثُمَّ إحاطةٌ مَنفِيّة، والتَّمييزُ فيهِما واحِد.

ويَجيءُ هُنا ثالِثاً فيُطلَب، ولا يُثبَتُ ولا يُنفى. وما وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِندَ واحِدٍ ولم يُحَطْ بِه عِندَ الجَماعةِ يُؤمَرُ واحِدٌ بِسُؤالِ المَزيدِ مِنه.

والعِلمُ من ع-ل-م عَلامةٌ تَبرُزُ فتُمَيِّزُ الشَّيءَ ثُمَّ تَلزَمُ مَن أخَذَها، فالمَسؤولُ إمساكُ الفارِقِ دونَ كَثرةِ الخَبَر.

العَجَلةُ في السّورةِ مَرَّتان

وسُئِلَ رَجُلٌ في هذه السّورةِ سُؤالَ عِتاب: وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ﴾، فأجابَ مُعتَرِفاً بِالفِعلِ نَفسِه: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ﴾.

ويُنهى هُنا مُخاطَبٌ آخَرُ عن المادّةِ نَفسِها، فهُما سُؤالٌ لِواحِدٍ ونَهيٌ لِواحِد، والمادّةُ واحِدة.

والفَرقُ في المُتَعَلَّق، فهُناكَ عَجِلَ إلى رَبِّه فتَرَكَ قَومَه، وهُنا يُنهى عن العَجَلةِ بِما يَنزِلُ عَلَيه، والمُوازاةُ تُقرَأُ ولا يُبنى عَلَيها حُكمٌ على أحَدٍ من الاثنَين.


حَصيلة

فاءٌ تُعَقِّبُ على ما قَبلَها، ثُمَّ فِعلٌ على وَزنٍ يَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه، فالعُلُوُّ قائِمٌ بِه غَيرُ واقِعٍ عَلَيه من غَيرِه، والجَذرُ ع-ل-و هو الذي جَرى في هذه السّورةِ في مَقاماتٍ طَلَبَه فيها واحِدٌ فلم يَنَلْه وقيلَ فيها لِواحِدٍ فلم يَطلُبْه. ثُمَّ اسمانِ بِلا واوِ عَطف، وهذا ثاني اقتِرانٍ من هذا النَّوعِ في المَقطَع: مُلكٌ من م-ل-ك، وهو إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تَكتُمُ ما حازَت، وحَقٌّ من ح-ق-ق، وهو احتِواءٌ في مَضيقٍ يُحكَمُ عَلَيه بِقَطعٍ فاصِل، فهُما سَعةُ الحَوزِ ثُمَّ إحكامُ الثُّبوت. ثُمَّ نَهيٌ لِمُفرَدٍ عن العَجَلةِ دونَ القُرآن، والعَجَلةُ من ع-ج-ل خُروجٌ يَنبَثِقُ قَبلَ أن يَتِمَّ إعدادُه، والباءُ تُبَيِّنُ أنَّ المَنهِيَّ مُصاحَبةُ العَجَلةِ لا الفِعلُ نَفسُه، و«مِن قَبْلِ» تَحُدُّ النَّهيَ بِزَمَنٍ يَنتَهي. والفاعِلُ في «يُقْضَىٰ» غَيرُ مُسَمّى، والتَّعدِيةُ بِـ«إلى» دونَ «على»، فهو إتمامٌ يَنتَهي إلَيه، لا حِملٌ يوضَعُ عَلَيه، والوَحيُ من و-ح-ي إيصالٌ في مَنفَذٍ ضَيِّقٍ يَسري لَيِّناً، ومَن استَعجَلَ الجاريَ في مَضيقٍ قَطَعَه. ثُمَّ أمرٌ بِالقَولِ بِعَينِه دونَ الطَّلَبِ مُطلَقاً، ونِداءٌ في أقصَرِ صورَتِه، ثُمَّ فِعلُ أمرٍ ومَفعولان. والزِّيادةُ من ز-ي-د ضَمُّ شَيءٍ إلى شَيءٍ حتّى يَثبُتَ ويُحسَبَ مِنه، فالمَطلوبُ لاحِقٌ بِأصلٍ قائِمٍ غَيرُ بَدَلٍ عنه؛ ولَيسَ في المُصحَفِ المَنشورِ في هذا الكِتابِ زِيادةٌ ثانِيةٌ أُمِرَ المُخاطَبُ بِطَلَبِها، ومَسؤولُ هذه عِلم. والنَّهيُ والأمرُ في آيةٍ واحِدة، فالنّازِلُ لا يُستَعجَلُ والمَعلومُ يُستَزاد، والفَرقُ أنَّ الأوَّلَ يَسبِقُ والثّانيَ يَتبَع. و«عِلْمًا» ثالِثُ مَنصوبٍ من هذه المادّةِ في السّورةِ في مَواضِعَ مُتَقارِبة، أُثبِتَ لِواحِدٍ ثُمَّ نُفِيَ عن جَماعةٍ ثُمَّ طُلِبَ هُنا، والعِلمُ من ع-ل-م عَلامةٌ تَبرُزُ فتُمَيِّزُ ثُمَّ تَلزَمُ آخِذَها. وأمّا المادّةُ المَنهِيُّ عنها فقد سُئِلَ عنها في هذه السّورةِ رَجُلٌ سُؤالَ عِتابٍ فاعتَرَفَ بِها، ويُنهى عنها هُنا مُخاطَبٌ آخَر، فهُما سُؤالٌ لِواحِدٍ ونَهيٌ لِواحِد، والمُتَعَلَّقُ مُختَلِف.