طه · الآية 13
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَأَنَا اخْتَرْتُكَ»: اختِيارٌ تَمَّ قَبلَ أن يُعلَم
الضَّميرُ يَتَقَدَّمُ ثالِثَ مَرَّةٍ في ثَلاثِ آيات. قيلَ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، ويُقالُ هُنا «وأنا اختَرتُك»، ويُقالُ بَعدَه إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾. يُقَدَّمُ المُتَكَلِّمُ على خَبَرِهِ في كُلِّ مَرَّة.
والفِعلُ ماضٍ. لَيسَ «أختارُك» ولا «سأختارُك»، بَل «اختَرتُك». وَقَعَ الاختِيارُ وانتَهى، والمُخاطَبُ يَسمَعُ بِه الآنَ. جاءَ يَطلُبُ ناراً وهو مُختارٌ من قَبلِ أن يَخرُج.
والجِذرُ خ-ي-ر نُفوذٌ لَيِّنٌ يَجري ويَمتَدّ: ما يَدخُلُ في الشَّيءِ فيَسري فيه نَفعاً. و«اختارَ» على وَزنِ افتَعَلَ، والصيغةُ تَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه: أخَذَ لِنَفسِه. ولَم يُقَلْ اختَرتُ رَسولاً، قيلَ «اختَرتُك». المَفعولُ ضَميرٌ لا صِفة.
«فَاسْتَمِعْ»: يُطلَبُ السَّمعُ لا يُنتَظَرُ وُقوعُه
فاءٌ تُرَتِّب. الاختِيارُ أوَّلاً، والأمرُ بِالإصغاءِ ثانِياً. لم يُختَرْ لِأنَّه أصغى؛ أُمِرَ بِالإصغاءِ لِأنَّه اختِير.
و«استَمِعْ» على وَزنِ استَفعَلَ، وهو طَلَبٌ وتَكَلُّف. والجِذرُ س-م-ع انصِبابٌ يَتَجَمَّعُ ويَبلُغُ العُمق. فالسَّمعُ يَقَعُ بِلا قَصد، والاستِماعُ عَمَلٌ يُتَكَلَّفُ ويُهَيَّأُ لَه. أُمِرَ بِالثّاني لا بِالأوَّل.
واللّامُ في «لِما» تُلصِقُ الأُذُنَ بِالمَسموع. لَيسَ إصغاءً في الهَواءِ بَل إلى شَيءٍ بِعَينِه.
«لِمَا يُوحَىٰ»: ثَلاثُ كَلِماتٍ يُمسَكُ في كُلٍّ مِنها شَيء
«ما» مَوصولٌ مُبهَم. لم يُسَمَّ المَسموعُ ولا وُصِف. يُقالُ لَه أصغِ، ولا يُقالُ إلى ماذا.
و«يُوحى» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، كَما بُنِيَ «نُودِيَ» قَبلَ آيَتَين. لا يُذكَرُ المُوحي في الفِعل، وقَد ذُكِرَ في الآيةِ التي قَبلَها بِضَميرِ المُتَكَلِّم. يُترَكُ الفِعلُ مَبنِيّاً لِلمَجهولِ والمُتَكَلِّمُ حاضِرٌ يَتَكَلَّم.
والفِعلُ مُضارِع. لا «لِما أُوحِيَ» بَل «لِما يُوحى»: جارٍ الآن، لم يَتِمّ. أُمِرَ أن يُصغِيَ إلى ما لَم يَكتَمِلْ نُزولُه بَعد.
والجِذرُ و-ح-ي إبلاغٌ في مَجرىً ضَيِّقٍ يَسري خَفِيّاً. فالمَجرى في أصلِ الكَلِمةِ ضَيِّقٌ مَستور، والمَطلوبُ من الرَّجُلِ أوسَعُ ما عِندَه من انتِباه. أُمِرَ أن يَفتَحَ كُلَّ سَمعِهِ لِأدَقِّ ما يَجري.
حَصيلة
ضَميرٌ يَتَقَدَّمُ ثالِثَ مَرَّةٍ في ثَلاثِ آيات، ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ لا مُضارِع: «اختَرتُك» أمرٌ فُرِغَ مِنه قَبلَ أن يُسمَعَ بِه. وخ-ي-ر نُفوذٌ لَيِّنٌ يَجري نَفعاً، وافتَعَلَ تَرُدُّ الأخذَ إلى الآخِذ، والمَفعولُ ضَميرٌ لا وَصف. ثُمَّ فاءٌ تُرَتِّبُ: اختِيارٌ ثُمَّ إصغاء، لا إصغاءٌ يُستَحَقُّ بِه اختِيار. و«استَمِعْ» على استَفعَلَ طَلَبٌ وتَكَلُّف، وس-م-ع انصِبابٌ يَتَجَمَّعُ ويَبلُغُ العُمق، فالمَأمورُ بِه العَمَلُ لا الوُقوع. ثُمَّ ثَلاثُ كَلِماتٍ تُمسِكُ كُلُّ واحِدةٍ مِنها شَيئاً: مَوصولٌ لا يُسَمّي المَسموع، وفِعلٌ مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ لا يَذكُرُ المُوحِيَ والمُتَكَلِّمُ حاضِر، ومُضارِعٌ يَقولُ إنَّ الأمرَ ما زالَ يَجري. وو-ح-ي إبلاغٌ في مَجرىً ضَيِّقٍ خَفيّ. فُتِحَ لَهُ السَّمعُ كُلُّه على مَنفَذٍ لا يُرى.