آل عمران · الآية 194

﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ

«رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا»: النداءُ يَعطفُ طلبَ العطاءِ على الدعاءِ السابق

يَتكرّرُ نداءُ «ربَّنا» مرّةً أخرى، وتَعطفُ الواوُ فعلَ دعاءٍ جديداً: آتنا. والفاعلُ ضميرُ المخاطَب، و«نا» مفعولٌ أوّل، و«ما» الموصوليّةُ مفعولٌ ثانٍ تُعرّفه صلتُها «وعدتنا». والوعدُ من و-ع-د، وأصلُه إحاطةٌ تَظهرُ من العمقِ ثمّ تَثبتُ بضغط، فيَحملُ قولاً مستقبليّاً مضبوطاً. وضميرُ المخاطَبِ في الوعدِ هو نفسُه المعطي المطلوب، وضميرُ المتكلّمينَ هو نفسُه الموعود، ولذلك يَحملُ الموصولُ كلَّ ما استقرَّ بينَ الوعدِ والدعاءِ في علاقةٍ واحدة.

«عَلَىٰ رُسُلِكَ»: الوَعدُ يَصِلُ عَبرَ رُسُلٍ غَيرِ مُسَمَّين

ويتعلّقُ «على رسلك» بالوعدِ أو بما وُعِد، ويَجعلُ الرسلَ جهةَ حملِه في العبارة، والرسلُ جمعٌ مضافٌ إلى كافِ الخطاب. والرسالةُ من ر-س-ل: جريانٌ مسترسلٌ يَدخلُ مجرىً دقيقاً ثمّ يَتعلّقُ بجهةِ الوصول، فتَحملُ إرسالاً ممتدّاً. والإضافةُ إلى الربِّ تَضبطُ نسبتَهم إليه، والجمعُ يَفتحُ طريقَ الوعدِ عبرَ رسلٍ يَنسبُهم الدعاءُ إلى ربِّه، وبهذا يَجتمعُ المعطي والمرسِلُ والموعودُ به في جهةٍ واحدة.

«وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: النهيُ الدعائيُّ يَربطُ الخزيَ بيومٍ مسمّى

وتَعطفُ الواوُ «لا» الدعائيّةَ مع المضارع: لا تُخزنا. والخزيُ من خ-ز-ي اختراقٌ يَجتمعُ فيه جريانٌ حادٌّ متضاغطٌ ثمّ يَمتدُّ أثرُه، فيَحملُ ذلّاً يَبلغُ صاحبَه، وضميرُ المفعولِ يَجمعُ الداعينَ أنفسَهم. وينتصبُ «يوم القيامة» ظرفاً، فيَحدُّ زمنَ الطلبِ باليومِ المسمّى، والقيامةُ من ق-و-م عقدٌ يَثبتُ في احتواءٍ باطنٍ ثمّ يَقوم. والمطلوبُ المحدَّدُ انتفاءُ الخزيِ عنهم في ذلك اليوم، فيَقعُ الظرفُ حَدّاً زمنيّاً للطلبِ نفسِه.

«إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ»: المِيعادُ الذي لا يُخلَفُ يَحمِلُ الرَّجاء

وتَستأنفُ «إنّ» خطابَ الربِّ مؤكَّداً، وتَنفي «لا» المضارعَ «تخلف». والإخلافُ من خ-ل-ف: اختراقٌ يَتعلّقُ ثمّ يَفتحُ فرقاً يُبعِدُ الفعلَ عن الموعد، وصيغةُ الإفعالِ تُسنِدُ إحداثَ هذا الفرقِ إلى فاعلٍ نُفيَ عنه. و«الميعاد» مفعولٌ معرَّف، وهو من مادةِ الوعدِ نفسِها، فيَعودُ الختامُ إلى «وعدتنا» دونَ أن يَكشفَ محتواه. والنفيُ هنا خبرٌ لا طلب، ولذلك يَسندُ الدعاءَ بإقرارٍ عن المخاطَب: الوعدُ مطلوبُ الوفاءِ لأنّ الإخلافَ منفيٌّ عنه.


حَصيلة

يَجمعُ الدعاءُ طلبَينِ وإقراراً: يَطلبونَ أن يُؤتَوا ما وُعِدوا به على رسلٍ مضافينَ إلى الربّ، فيَجعلونَ الوعدَ محمولاً على جهةِ الربوبيّةِ التي نادَوها، ويَطلبونَ ألّا يَلحقَهم الخزيُ في يومِ القيامة، فيَضعونَ الطلبَ في الظرفِ الذي سَمَّوه، ثمّ يَختمونَ بتوكيدِ أنّ الربَّ لا يُخلفُ الميعاد. وتَتماسكُ الضمائرُ والمادّةُ اللفظيّةُ في: وعدتنا، آتنا، رسلك، لا تخزنا، إنك، الميعاد. وبذلك يَقومُ الرجاءُ على الوعدِ المنسوبِ إليه وعلى نَفيِ الإخلافِ عنه، فيَستَنِدُ الطلبُ إلى صِفةِ المطلوبِ منه قبلَ أن يَستَنِدَ إلى مِقدارِ ما يُطلَب.