طه · الآية 134

﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ

«وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم»: فَرضٌ يُبنى لِيُهدَم

«لَو» حَرفُ امتِناعٍ لِامتِناع: يَمتَنِعُ الجَوابُ لِأنَّ الشَّرطَ لم يَقَعْ. فما بَعدَها لم يَحدُث، وما جاءَ في جَوابِها لم يُقَلْ.

وهذا هو مَوضِعُ الوُقوفِ في الآية. السَّطرُ لا يَنقُلُ كَلاماً قيلَ فيُحكى، بَل يُنشِئُ كَلاماً لَو وَقَعَ سَبَبُه لَوَقَع. وهو مَقولٌ في فَمٍ لم يَفتَحْ بِه.

ومَن قَرَأَه خَبَراً عن قَولٍ وَقَعَ فقد أخرَجَ «لَو» من بابِها.

و«أَهْلَكْنَاهُم» من ه-ل-ك: خَلاءٌ يَحوزُ مَحَلَّه حتّى يُطبَقَ عَلَيه، على وَزنِ أفعَلَ بِفاعِلٍ من خارِج. وهو اللَّفظُ نَفسُه الذي جاءَ في هذا المَقطَعِ قَبلَ سِتِّ آياتٍ في كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾. هُناكَ واقِعٌ مَضى، وهُنا مَفروضٌ لم يَقَع.

و«بِعَذَابٍ» نَكِرة، و«مِّن قَبْلِهِ» ضَميرٌ لا يُذكَرُ لَه في السَّطرِ مَرجِعٌ صَريح. فالمَفروضُ مُؤَقَّتٌ بِشَيءٍ لا يُسَمّى.

«لَقَالُوا رَبَّنَا»: الضَّميرُ يَنتَقِلُ من يَدٍ إلى يَد

لامٌ في جَوابِ «لَو»، ثُمَّ نِداء.

وأوَّلُ كَلِمةٍ في قَولِهِمُ المَفروضِ هي «رَبَّنَا». وقد قالوا قَبلَ سَطرٍ واحِدٍ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ بِهاءِ الغائِب: رَبُّه هو. فلَمّا فُرِضَ عَلَيهِمُ الهَلاكُ صارَ في أفواهِهِم «رَبَّنَا» بِنونِ المُتَكَلِّمين.

النِّسبةُ التي أبعَدوها في اليَقَظةِ تُقَرَّبُ في الفَرض. والضَّميرُ هو الذي تَحَرَّك، ولا شَيءَ غَيرُه.

«لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا»: أداةٌ ثالِثةٌ في سِتِّ آيات

«لَوْلَا» هُنا داخِلةٌ على فِعلٍ ماضٍ، فتُفيدُ التَّوبيخَ واللَّومَ على ما لم يُفعَل.

وهذه ثالِثُ مَواضِعِها في هذا المَقطَع: جاءَت على اسمٍ فأفادَتِ امتِناعاً، ثُمَّ على مُضارِعٍ في أفواهِهِم فأفادَت حَضّاً، ثُمَّ على ماضٍ في أفواهِهِم فأفادَت لَوماً. حَرفانِ لا يَتَغَيَّرانِ وثَلاثةُ أعمال.

ثُمَّ انظُرْ ما الذي يَلومونَ عَلَيه في الفَرض: أن لا يَكونَ أُرسِلَ إلَيهِم رَسول. وهُم في السَّطرِ الذي قَبلَه يَطلُبونَ آيةً مِمَّن أُرسِل.

و«رَسُولًا» نَكِرة، من ر-س-ل انطِلاقٍ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ حتّى يَتَّصِلَ بِمُستَقبِلِه. يُذكَرُ في قَولِهِم ما يُذكَرُ من وَظيفةٍ ولا يُعَيَّنُ صاحِبُها. طَلَبوا في الفَرضِ صِفةً ورَدّوا في اليَقَظةِ مَن قامَ بِها.

«فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ»: الكَلِمةُ التي أبعَدوها تُعَرَّفُ وتُخاطَب

فاءٌ سَبَبِيّةٌ يُنصَبُ بَعدَها المُضارِع. الاتِّباعُ في قَولِهِمُ المَفروضِ نَتيجةٌ لِلإرسالِ لا شَيءٌ يُبتَدَأ.

و«نَتَّبِعَ» من ت-ب-ع على وَزنِ افتَعَل: لُصوقٌ يَجري في إثرِ الشَّيءِ فلا يُفارِقُ أثَرَه، وافتَعَلَ تَجعَلُه صَنعةً يَتَكَلَّفُها المُتَّبِع. فهُم في الفَرضِ يَتَعَهَّدونَ بِما يَصنَعونَه بِأنفُسِهِم.

و«آيَاتِكَ»: قالوا في اليَقَظةِ «بِآيَةٍ» نَكِرةً مُفرَدةً مَنسوبةً إلى غائِب، ويَقولونَ في الفَرضِ «آياتِكَ» مَعرِفةً مَجموعةً مُضافةً إلى مُخاطَب. ثَلاثةُ تَحَوُّلاتٍ في كَلِمةٍ واحِدة: من النَّكِرةِ إلى المَعرِفة، ومن الإفرادِ إلى الجَمع، ومن الغَيبةِ إلى الخِطاب.

ما طُلِبَ واحِداً بَعيداً يُقَرُّ بِه كَثيراً قَريباً، في كَلامٍ لم يُقَلْ.

«مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ»: فِعلانِ أحَدُهُما يَلتَصِقُ والآخَرُ يَنكَشِف

و«مِن قَبْلِ» ثانِيةً في الآية. ذُكِرَت أوَّلاً في الفَرضِ لِلعَذاب، وتُذكَرُ هُنا في مَخافَتِهِم. ظَرفٌ واحِدٌ يَحُدُّ حَدَّينِ في سَطرٍ واحِد.

و«نَّذِلَّ» من ذ-ل-ل: لِينٌ يَنقادُ بِه الشَّيءُ لِمَن أخَذَه. فالذِّلَّةُ في مادَّتِها انقِيادٌ لا ألَم.

و«نَخْزَىٰ» من خ-ز-ي: خَلَلٌ باطِنٌ يَنفُذُ إلى الظّاهِرِ فيَسري. فالخِزيُ انكِشافُ ما كانَ مَستوراً.

فالفِعلانِ في جِهَتَينِ: أحَدُهُما يَلينُ فيُقادُ، والآخَرُ يَنفَتِحُ فيُرى. داخِلٌ يَنقادُ وخارِجٌ يَنكَشِف.

وهُما آخِرُ ما يُخافُ في قَولٍ لم يُقَلْ.


حَصيلة

حَرفُ امتِناعٍ لِامتِناع، فالشَّرطُ لم يَقَعْ والجَوابُ لم يُقَلْ: السَّطرُ يُنشِئُ كَلاماً في فَمٍ لم يَفتَحْ بِه، ومَن قَرَأَه خَبَراً عن قَولٍ وَقَعَ أخرَجَ الأداةَ من بابِها. والمَفروضُ «أهلَكناهُم» من ه-ل-ك، وهو اللَّفظُ الواقِعُ في هذا المَقطَعِ قَبلَ سِتِّ آياتٍ عَن قُرونٍ مَضَت، فما وَقَعَ هُناكَ يُفتَرَضُ هُنا. ثُمَّ نِداءٌ أوَّلُ كَلِمةٍ فيه «رَبَّنا» بِنونِ المُتَكَلِّمين، وهُم قد قالوا قَبلَ سَطرٍ «رَبِّهِ» بِهاءِ الغائِب: النِّسبةُ التي أُبعِدَت في اليَقَظةِ تُقَرَّبُ في الفَرض، والضَّميرُ وَحدَه هو الذي تَحَرَّك. ثُمَّ «لَولا» ثالِثةً في هذا المَقطَع، دَخَلَت على اسمٍ فأفادَتِ امتِناعاً، وعلى مُضارِعٍ فأفادَت حَضّاً، وعلى ماضٍ هُنا فأفادَت لَوماً: حَرفانِ لا يَتَغَيَّرانِ وثَلاثةُ أعمال. و«رَسولاً» نَكِرةً من ر-س-ل انطِلاقٍ من مَصدَرٍ لا يَقِفُ حتّى يَتَّصِلَ بِمُستَقبِلِه، تُذكَرُ الوَظيفةُ ولا يُعَيَّنُ صاحِبُها. ثُمَّ فاءٌ سَبَبِيّةٌ و«نَتَّبِعَ» من ت-ب-ع على افتَعَلَ، لُصوقٌ يَجري في الأثَرِ يَتَكَلَّفُه صاحِبُه. و«آياتِكَ» مَعرِفةً مَجموعةً مُخاطَباً بِها، بَعدَ أن كانَت في اليَقَظةِ نَكِرةً مُفرَدةً غائِبةَ النِّسبة. ثُمَّ «مِن قَبلِ» ثانِيةً، وفِعلانِ في جِهَتَين: «نَذِلَّ» من ذ-ل-ل لِينٍ يَنقادُ بِه الشَّيءُ لِمَن أخَذَه، و«نَخزى» من خ-ز-ي خَلَلٍ باطِنٍ يَنفُذُ إلى الظّاهِرِ فيَسري. انقِيادٌ في الدّاخِلِ وانكِشافٌ في الخارِج، وكِلاهُما آخِرُ ما يُخافُ في كَلامٍ لم يُنطَقْ بِه.