آل عمران · الآية 192

﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

«رَبَّنَا إِنَّكَ»: النداءُ يَستمرُّ ويُؤكِّدُ جهةَ القول

يَستأنفُ القائلونَ نداءَهم بكلمةِ «ربَّنا» كما في الآيةِ السابقة، فتَتّصلُ الدعوةُ بما قبلَها اتّصالاً واحداً. والإضافةُ تَجمعُ ضميرَهم تحتَ علاقةِ الربوبيّة، ثمّ تَدخلُ «إنّ» على كافِ الخطابِ فتُؤكِّدُ أنَّ الحكمَ الآتي موجَّهٌ إلى الربِّ المخاطَب. والصوتُ صوتُ القائلينَ أنفسِهم، متّصلٌ بكلامِهم الذي بدأَ بنفيِ الخلقِ الباطلِ وانتهى إلى طلبِ الوقاية. والتوكيدُ يُهيّئُ قاعدةً شرطيّةً تَربطُ إدخالَ شخصٍ في النارِ بالخزيِ وانتفاءِ الأنصار، ولا يَزيدُ على النارِ مشهداً.

«مَن تُدْخِلِ النَّارَ»: الدُّخولُ يَحمِلُ الخِزيَ لِمَن بَلَغَه

وتأتي «مَن» شرطيةً عامّةً للعاقل، وفعلُ الشرطِ مضارعٌ مجزومٌ: تُدخل، وفاعلُه ضميرُ المخاطَب، ومفعولُه محذوفٌ يَكشفُه جوابُ الشرطِ في الهاء، و«النار» جهةُ الإدخال. والدخولُ من د-خ-ل، وأصلُه ضغطٌ ثابتٌ يَنفذُ إلى مُخترَقٍ متخلخلٍ ثمّ يَتعلّقُ به، وصيغةُ الإفعالِ تَنقلُ الحدثَ إلى مفعولٍ يُدخَل. وعمومُ «من» يَضعُ كلَّ داخلٍ تحتَ رابطةِ الشرط، فيَتّصلُ إدخالُه مباشرةً بالنتيجةِ التي تَحملُ ضميرَه.

«فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ»: الجوابُ يَربطُ الإدخالَ بخزيٍ محقَّق

وتَدخلُ الفاءُ على جوابِ الشرط، وتَجمعُ «قد» مع الماضي تحقيقَ النتيجة: أخزيته. والهاءُ مفعولٌ يعودُ إلى «من»، فيَبقى الفردُ العامُّ موصولاً بينَ الجملتَين. والخزيُ من خ-ز-ي: اختراقٌ يَجتمعُ فيه الجريانُ الحادُّ المتضاغط، ثمّ تَمدُّ الياءُ أثرَه، فيَحملُ انكشافَ ذلٍّ يَبلغُ صاحبَه. وصيغةُ الإفعالِ تُسنِدُ وقوعَه إلى المخاطَبِ كما أُسنِدَ الإدخال، و«قد» تَجعلُ النتيجةَ محقَّقةً داخلَ الجواب.

«وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ»: الظُّلمُ لا يَجِدُ ناصِراً

وتَعطفُ الواوُ جملةً اسميّةً منفيّةً بـ«ما»، يتقدّمُ فيها «للظالمين» خبراً. والظلمُ من ظ-ل-م غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فيَحمِلُ حَقّاً يُحبَسُ عن صاحِبِه. ويأتي «من أنصار» مبتدأً مؤخَّراً، و«من» الاستغراقيّةُ تَزيدُ النفيَ شمولاً لأيِّ ناصر. والنصرُ من ن-ص-ر: احتواءٌ يَبلغُ ضغطاً صلباً ثمّ يَجري مسترسلاً، فيَحملُ دفعاً متّصلاً للمعونة. وتُحكِمُ الخاتمةُ المآلَ بأن يَقفَ الجمعُ الموصوفُ بالظلمِ في انتفاءٍ شاملٍ للأنصار.


حَصيلة

يَستمرُّ الدعاءُ بنداءِ الربِّ وتوكيدِ الخطاب، ثمّ يَصوغُ قاعدةً عامّة: مَن يُدخِلْه الربُّ النارَ فقد أخزاه. ويَحفظُ اسمُ الشرطِ العموم، وتَحفظُ الهاءُ وحدةَ مَن وقعَ عليه الإدخالُ والخزي. ثمّ تَتّسعُ الجملةُ من الفردِ الشرطيّ إلى جمعِ الظالمين، فتَنفي عنهم أيَّ أنصارٍ بصيغةٍ مستغرقة. ويَجري الحُكمانِ على ما فتحَته الأداتان: «مَن» تَسَعُ كلَّ داخل، و«مِن» تَستَغرِقُ كلَّ ناصر. وقوّةُ الآيةِ في العلاقاتِ نفسِها: إدخالٌ يَلزمُه خزيٌ محقَّق، وظلمٌ لا يَجدُ جنسَ النصير.