البقرة · الآية 52

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

«عَفَوْنَا» جذر: ع-ف-و

يتألّف الجذر من ع (ظُهور من عُمق)، وف (تَفريق + نَفاذ)، وو (وَصل + رَبط)، فالعَفو فَصلُ الأثَر عن العُمق وانعقاد السَّطح على السَّكينة. ويُقال في اللُّغة: عَفَت الرِّيحُ الأثَر، أي طَمستَه، والعَفو تَنظيفٌ فِعليّ للأثَر، وليس تَناسيًا.

«مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ»

و«ذَلِك» إشارةٌ إلى اتّخاذ العِجل، والمُذكّر البعيد في الإشارة يُفيد أنّ الحَدث كان ثَقيلًا يَبتعد عنه المُخاطَب. والعَفو إلغاءٌ لأثَر الحَدث مع بَقاء العِبرة، وليس إلغاءً للحَدث نَفسه.

«لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» جذر: ش-ك-ر

والشُّكر عَقدُ الإنعام بمُسديه، وجذره من ش (انتشار + تَفَرُّق)، وك (كَتم + قَطع)، ور (تكرار + جَريان)، فهو تَشعّبُ المَعروف، ثمّ حَصرُه في الرَّبط، ثمّ امتدادُه إلى السُّلوك. وقد أُعطي العَفو ليُثمر شُكرًا، لا ليُستَغلّ في ذُنوبٍ جَديدة.


حَصيلة

بَعدَ ظُلمِ العِجلِ يَأتي العَفوُ بِصيغَةِ «ثُمَّ»، وفيها تَراخٍ زَمَنيٌّ يُشيرُ إلى أنَّ العَفوَ جاءَ بَعدَ مُهلَة، غَيرَ تَلقائِيّ. وأَصلُ (ع-ف-و) في العَرَبيَّةِ تَنظيفٌ فِعلِيٌّ للأَثَر، وهو غَيرُ التَّناسي، ومِنه «عَفَت الرِّيحُ الأَثَرَ» إذا طَمَسَته. فالعَفوُ هُنا يَمحو أَثَرَ الذَّنبِ، ويُبقي الذَّنبَ في السِّجِلِّ المَعرِفيِّ، فَتَبقى العِبرَةُ وتُرفَعُ التَّبِعَة. وقَيدُ «لَعَلَّكُم تَشكُرون» من (ش-ك-ر)، ومَعناه عَقدُ الإنعامِ بِمُسديه وإظهارُه في السُّلوك، فالعَفوُ بَوَّابَةٌ لِمَسارٍ جَديد، وما هو بِنِهايَة، إن سَلَكَه المَعفُوُّ عَنه بِشُكرٍ حَقيقيٍّ فَتَحَ على خَيرٍ، وإن أَهمَله أُعِيدَ للاختِبار. والعَفوُ الإلهِيُّ فَتحٌ لِمَسارٍ يَتَطَلَّبُ من المَعفُوِّ عَنه شُكراً يَتَحَوَّلُ إلى سُلوكٍ مُختَلِف، وليسَ حُكماً إدارِياً يَطوي المَلَفّ.