الطارق · الآية 14

﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ

«الهَزل»: الكَلامُ المُتَفَلِّتُ من الجِدّ

«هَزل» في العَرَبِيّةِ جِذرٌ يَجمَعُ مَعنى الضَّعفِ والتَّفَلُّت، يُقالُ «هَزَلَ الجِسمُ» إذا ضَعُفَ ونَحُل، و«هَزَلَ في كَلامِه» إذا تَفَلَّتَ من قَصدِه فقالَ ما يُضحِكُ ولا يُلزِم. والهَزلُ كَلامٌ بِغَيرِ عُقدة، يَجري بَينَ الشِّفاهِ ولا يَترُكُ أثَراً جادّاً.

والآيةُ تَنفي هذا الصِّنفَ من الكَلامِ عن القَولِ الفَصل، فهو كَلامٌ لا تُلَوِّنُه السِّياقاتُ ولا تَستَهلِكُه المُلابَسات، وغَيرُ كَلامٍ يُقالُ ثُمَّ يُمضى عَنه. والجِدُّ في الكَلامِ يَتَحَدَّدُ بِأنَّه يَتَلَبَّسُ بِما يَقول، ويَترُكُ في القارِئِ والسّامِعِ أثَراً يُلازِم.

باءُ النَّفي والتَّأكيد

والباءُ في «بِالهَزل» تُسَمّى «الباءَ الزّائِدة» في إعرابِها، وهي في المَعنى غَيرُ زائِدة، وهي تَدخُلُ على خَبَرِ «ما» النّافِية فتَزيدُ النَّفيَ شِدّة. ولو جاءَ «وما هو هَزلاً» لَصَحَّ المَعنى، غَيرَ أنَّ «وما هو بِالهَزل» يَتَلَبَّسُ بِالهَزلِ تَلَبُّساً نافِياً، فيُغلِقُ بابَ التَّوَهُّمِ نِهائِيّاً.

ويَتَكَرَّرُ نَمَطُ التَّأكيدِ في السّورةِ نَفسِها: فالآيةُ الثّامِنةُ أكَّدَت بِـ«إنّ» واللّام: «إنَّه على رَجعِه لَقادِر»، والآيةُ السّابِقةُ أكَّدَت بِـ«إنّ» واللّام: «إنَّه لَقَولٌ فَصل»، وهذه تُؤَكِّدُ بِالباء: «وما هو بِالهَزل». وهي ثَلاثةُ مَواضِعَ من التَّأكيدِ تَتَوالى في السّورة، كأنَّ الآياتِ تَعقِدُ على ما تَقولُه عُقَداً مُتَتالِية.

الجِدُّ في القَولِ يُحَدِّدُ مَوقِفَ السّامِع

وإذا كانَ القَولُ فَصلاً وليسَ بِالهَزل، تَحَدَّدَ مَوقِفُ السّامِعِ مِنه: فما يَفصِلُ لا يُؤخَذُ بِالتَّفَكُّه، وما لَيسَ بِالهَزلِ لا يُتَلَقّى كأنَّه هَزل، والإصغاءُ إلى ما يَفصِلُ يَنبَغي أن يَكونَ على قَدرِ ما يَفصِلُ بِه.

والآيَتانِ التّالِيَتانِ تَكشِفانِ ما يَنتَظِرُ مَن لا يَأخُذُ القَولَ على قَدرِه: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. والذينَ يَتَلَقَّونَ القَولَ بِكَيدٍ يُقابَلُ كَيدُهُم بِكَيدٍ مُماثِلٍ في الصّورة، ومَن لم يَأخُذِ القَولَ فَصلاً وَجَدَ نَفسَه في كَيدٍ يَفصِلُ بَينَه وبَينَ ما رامَه.


حَصيلة

تُتمُّ هذه الآيةُ الجوابَ بالنفي: وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾، فقد كانَ الإثباتُ في الآيةِ السابقةِ قولاً فَصلاً، والنفيُ هنا يُتمُّ التحديدَ من الجهةِ الأخرى. و«الهَزل» من -ه-ز-ل-: ضعفٌ وتفلُّتٌ من القصد، يقال هَزَلَ الجسمُ إذا نحُل، وهَزَلَ في كلامِه إذا قالَ ما يُضحكُ ولا يُلزم، والهزلُ كلامٌ بغيرِ عُقدة يجري بين الشفاهِ ولا يتركُ أثراً جادّاً. والباءُ في «بِالهَزل» تُسمّى زائدةً في الإعراب، وهي في المعنى غيرُ زائدة، تدخلُ على خبرِ «ما» النافية فتُلبِّسُ النفيَ بالمنفيِّ تلبيساً مُضاعَفاً، فكأنّ الآيةَ تُغلقُ بابَ الهزلِ إغلاقاً، زيادةً على نفيِه. والجِدُّ في القولِ يتحدَّدُ بنفيِ الهزلِ عنه كما يتحدَّدُ الفصلُ بنفيِ التناثر، ويتحدَّدُ معه موقفُ السامعِ أيضاً، فما يفصلُ لا يُؤخَذُ بالتفكُّه.