الطارق · الآية 13

﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ

«إنَّه»: الضَّميرُ الذي يُنَوِّعُ المَرجِع

الضَّميرُ في «إنَّه» يَعودُ إلى ما يَقولُه القُرآنُ، أو إلى القُرآنِ نَفسِه. ولم تُسَمِّهِ الآيةُ صَريحاً، وأوكَلَتِ المَرجِعَ إلى السَّمعِ الذي يَتَلَقّى الكِتاب، ومَن يَقرَأُ السّورةَ في يَدِه يَعرِفُ أنَّ ما يَقرَؤُه هو نَفسُه ما يُقسَمُ عَلَيه، والكِتابُ هُنا يَتَكَلَّمُ عن نَفسِه عَبرَ نَفسِه.

وقد ظَهَرَ الضَّميرُ «إنَّه» في الآيةِ الثّامِنةِ مَعَ القُدرةِ على الرَّجع، وهو هُنا يَعودُ في تَركيبٍ مُماثِل، غَيرَ أنَّه يَتَّجِهُ إلى مَوضوعٍ آخَر: إلى ما يَقول، دونَ الذي يَقدِر. والضَّمائرُ في القُرآنِ تَنتَقِلُ بَينَ المَراجِع، ويَتَتَبَّعُها السّامِعُ كما يَتَتَبَّعُ خَيطاً يَجري في النَّسج.

«قَول»: المَنطوقُ في صورَتِه

و«قَول» في العَرَبِيّةِ من ق-و-ل، وهو المَنطوقُ الذي يَخرُجُ من اللِّسانِ بِقَصد. وما كُلُّ صَوتٍ قَولاً، فالقَولُ ما حَمَلَ مَعنىً وصُرِّفَ في صورةٍ مَفهومة. وقد سَمَّتِ الآيةُ ما تَتَكَلَّمُ عَنه «قَولاً»، فجَعَلَته في صِنفِ ما يُنطَقُ ويُتَلَقّى.

وفي هذه التَّسميةِ تَواضُع، فلَو جاءَ «إنَّه لَكَلامٌ فَصل» أو «إنَّه لَوَحيٌ فَصل» لَدَلَّ على شَيءٍ آخَر، غَيرَ أنَّ «قَول» يَختارُ صِنفَ المَنطوقِ في عُمومِيَّتِه، ثُمَّ تُحَدِّدُه الصِّفة، فالقَولُ صِنف، والفَصلُ ما يُمَيِّزُه.

«فَصل»: القَولُ الذي يَفصِل

و«فَصل» اسمُ مَصدَر، أو مَصدَرٌ يُجعَلُ صِفة. والفَصلُ في العَرَبِيّةِ القَطعُ بَينَ شَيئَينِ كانا مُتَّصِلَين، ومِنه «فَصَلَ بَينَ الخَصمَين» إذا قَطَعَ بَينَهُما بِالحُكم، و«الفِصالُ» لِلفَصلِ بَينَ الرَّضيعِ وأُمِّه، و«الفاصِلةُ» لِلكَلِمةِ التي تُوقِفُ الجُملةَ في حَدٍّ مَسموع.

والمُرادُ بِـ«قَولٌ فَصل» قَولٌ يَفصِلُ بَينَ الحَقِّ والباطِل، وبَينَ الجِدِّ والهَزل، وبَينَ ما يَتَناثَرُ من شَكٍّ في النَّفس. والصِّفةُ نَكِرةٌ مَرفوعة: قَولٌ، فَصل، كأنَّ الفَصلَ وَزنُ القَولِ نَفسِه. ومَن يَقرَأُ القُرآنَ يُلامِسُ هذا الفَصلَ في فَمِه قَبلَ أن يُلامِسَه في عَقلِه، والآيةُ تَنزِلُ كَنَقرة، والآيةُ التي تَليها تَنزِلُ كَنَقرةٍ مِثلِها، وكُلُّ نَقرةٍ تَفصِلُ ما قَبلَها عَمّا بَعدَها.


حَصيلة

ينزلُ جوابُ القَسَمِ بعدَ السماءِ ذاتِ الرجعِ والأرضِ ذاتِ الصدع: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾، والتأكيدُ فيه مضاعَف: «إنّ» في الافتتاح، ولامُ التأكيدِ قبلَ الخبر، واجتماعُ مؤكِّدَين قبلَ الخبرِ يَعقِدُ على المعنى عَقدَين. و«قَول» من -ق-و-ل-، وهو المنطوقُ الذي يخرجُ من اللسانِ بقصدٍ ويُتلقَّى بمعنى، واختيارُه دونَ «كلام» أو «وحي» يبقيهِ في صنفِ المنطوقِ المُتلقَّى، ثمّ تُمَيِّزُه الصفة. و«فَصل» من -ف-ص-ل-: القطعُ بين شيئَين كانا مُتّصلَين، ومنه فَصَلَ بين الخَصمَين إذا حكَمَ بينهما، والفاصلةُ ما تُوقِفُ الجملةَ في حدٍّ مسموع. فـ«قَولٌ فَصل» قولٌ يقطعُ بين الحقِّ والباطل، وبين الجِدِّ والهزل، وبين ما يتناثرُ من شكٍّ ومن يقين. والصفةُ نكرةٌ مرفوعة، والفصلُ بها وزنُ القولِ نفسِه، لا صفةٌ جُلِبَت من خارج.