الشمس · الآية 2

﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا

«تَلاها»: التَّتابُعُ في أثَرٍ، لا التَّعاقُبُ المُجَرَّد

التِّلاوةُ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ صِفةٌ لِفَعلٍ مَخصوص، هو المَجيءُ في إثرٍ يَتبَعُه، ومِنه «تِلاوةُ القرآن»، أي قِراءةُ آيةٍ بَعدَ آيةٍ في تَتابُعٍ مُحكَم، ومِنه «تَلا الجَيشُ بَعضَه بَعضاً» إذا تَتابَعَ مَعَ حِفظِ النِّظام. فالقَمَرُ التّالي لِلشَّمسِ يَستَمِدُّ مِنها ويَحمِلُ أثَرَها، ولا يَقِفُ أمرُه عِندَ المَجيءِ بَعدَها.

وفي هذا المَعنى تَفسيرٌ لِما يَفعَلُه القَمَرُ في السَّماء، فضَوءُه انعِكاسٌ لِضَوئِها، وليسَ ضَوءاً مِن نَفسِه، وهو يَجري على الأُفُقِ في فَلَكٍ تالٍ لَها، يَستَقبِلُ نورَها ويَعكِسُه. والحَلِفُ بِه في هذا المَوقِفِ يَلفِتُ السّامِعَ إلى أنَّ في الكَونِ ذَواتٍ تَستَمِدُّ من غَيرِها ولا تُضيءُ من نَفسِها، وتَمضي على هَدْيِ الأَوَّل.

«إذا»: شَرطُ التَّكرارِ المَفتوح

و«إذا» في العَرَبِيّةِ ظَرفُ زَمَنٍ يَتَضَمَّنُ شَرطاً، وهو مُفتَرَضٌ غالِباً لِلتَّكرارِ والتَّعميم. وقد عُدِلَ عن «حينَ تَلاها» مَرّةً واحِدة، وعن «كُلَّما تَلاها» في إعلانٍ نَحوِيٍّ صَريح، إلى «إذا تَلاها»، وهو تَوقيتٌ مَوصولٌ بِكُلِّ مَرّةٍ يَقَعُ فيها الفِعل. والقَسَمُ بِهذا الظَّرفِ يَفتَحُ كُلَّ لَيلةٍ يَطلُعُ فيها القَمَرُ بَعدَ غُروبِ الشَّمسِ تَحتَ ثِقَلِ الحَلِف.

ومَن نَظَرَ إلى السَّماءِ لَيلاً فرَأى القَمَرَ قد تَلا الشَّمسَ التي رَآها قَبلَ ساعاتٍ فهو يُشارِكُ في حَدَثٍ مَأخوذٍ عَلَيه قَسَم، وهو حينَئِذٍ في زَمَنٍ مُحتَمَلٍ بِثِقَل، غَيرِ خامِل.


حَصيلة

يَدخُلُ القَمَرُ في القَسَمِ الثّاني بِفِعلٍ يَصِلُه بِالشَّمس: «إذا تَلاها»، دونَ نورِه المُستَقِلّ. والجِذرُ ت-ل-و يَحمِلُ مَعنى التَّتابُعِ في أثَرٍ مَحفوظ، ومِنه «التِّلاوة»، أي قِراءةُ كَلِمةٍ في إثرِ أُخرى. والقَمَرُ تالٍ لِلشَّمسِ مَرَّتَين: في الزَّمَنِ يَطلُعُ بَعدَ غُروبِها، وفي الضَّوءِ يَستَمِدُّ نورَه مِنها. و«إذا» قَبلَ الماضي «تَلاها» تَفتَحُ الحَدَثَ على كُلِّ تَكرار، فكُلَّما نَظَرَ القارِئُ إلى القَمَرِ في سَماءِ اللَّيلِ فهو في لَحظةٍ مَأخوذٍ عَلَيها قَسَم. والسّورةُ تَبني زَوجاً: ذاتٌ تُضيءُ من نَفسِها، وذاتٌ تَجري في أثَرِها.