الشمس · الآية 3
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«جَلّاها»: الكَشفُ بَعد السَّتر
«جَلا» في اللِّسانِ العربيِّ يَدورُ على الإظهارِ بَعد كُمون. يُقالُ «جَلا الصَّقيلُ السَّيف» = أَزالَ ما عَلَيه من صَدأٍ فلَمَعَ، و«جَلا الأمرَ» = أوضَحَه بَعد لُبس. وفي الآيةِ «جَلّى» بتَضعيفِ اللام، صيغةُ تَكثيرٍ ومُبالَغة: لَيس مُجرَّدَ كَشفٍ خَفيف، بَل جَلاءٌ مُكَرَّرٌ يَفعَلُه النَّهارُ مَع كلِّ طُلوع.
وضَميرُ «ها» يَعودُ إلى الشَّمسِ في الآيةِ الأُولى. النَّهارُ يَجلو الشَّمسَ نَفسَها. كَيفَ يَكونُ هذا؟ الشَّمسُ في الفَجرِ مَستورةٌ تَحتَ الأُفق، ثمّ يَأخُذُ النَّهارُ في امتِدادِه فيَصعَدُ بها على السَّماءِ حتّى تَتَجَلّى في وَسَطِ القُبَّةِ مُكشوفَةً مِن غَيرِ حاجِبٍ يَحجُبُها. فالنَّهارُ بزَمَنِه ومَكانِه هو الذي يُخرِجُها من خَفاءِ الفَجرِ إلى ظُهورِ الذُّروة.
النَّهارُ كزَمَنٍ كاشِف
النَّهارُ في جذرِه (ن-ه-ر) يَجمَعُ معنى الجَرَيانِ والاتِّساع. ومنه «النَّهر» الجاري الواسع، و«انتَهَر» شَدَّ في الزَّجرِ بصَوتٍ يَتَّسِع. النَّهارُ زَمَنٌ يَجري ويَتَّسِعُ بالضَّوءِ على وَجهِ الأرض. ولا غَرابةَ أن يَكونَ هذا الجَرَيانُ المُتَّسِعُ هو ما يَفعلُ الكَشفَ: حيث يَجري الضَّوءُ، يَجلو، فيُرى ما كان مَكتوماً.
والآيةُ بهذا الاختيارِ تَقولُ ضِمناً ما سَيُقالُ صَريحاً في الآيةِ الثامنة. كلُّ شَيءٍ يَخرُجُ من خَفائِه حِين يَأتي عليه ما يَجلوه. والنَّفسُ التي سَتُذكَرُ بَعد قَليلٍ هي نَفسُها مَوضعٌ يَنتَظِرُ جَلاءً. لَكِن جَلاءَها سَيَأتي من داخِلِها، لا من نَهارٍ يَطلُعُ عَلَيها.
حَصيلة
النَّهارُ في القَسَمِ الثالثِ يَأخُذُ فِعلاً مُكَثَّفاً من جذرِ ج-ل-و: «جَلّاها» بتَضعيفِ اللام، كَشفٌ مُكَرَّرٌ مُبالَغ. الضَّميرُ «ها» يَعودُ إلى الشَّمسِ في الآيةِ الأُولى: النَّهارُ يَكشِفُ الشَّمسَ نَفسَها، يُخرِجُها من خَفاءِ الفَجرِ إلى ذُروةِ كَبِدِ السَّماء. وفي الجِذرِ ن-ه-ر انتِشارٌ يَجري كالنَّهر: النَّهارُ ليس ساعاتٍ بل سَيلانُ ضَوءٍ يَتَّسِع. تَقابُلُ الفِعلَين «جَلّاها» ماضياً و«يَغشاها» مُضارِعاً في الآيةِ التالية يَكشِفُ بِنيَةً دَقيقَة: الكَشفُ حَدَثٌ يَتِمُّ، والسَّترُ فِعلٌ يَدوم.