الإسراء · الآية 57
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ»: المَفعولُ يُقامُ فاعِلاً
الإشارةُ تَعودُ إلى من قيلَ فيهِم قَبلَ سَطر: الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. كانوا هُناكَ مَفعولاً لِفِعلِ الدّاعين، تَقَعُ عَلَيهِمُ الدَّعوة. وهُنا يُؤخَذونَ من مَوضِعِ المَفعولِ ويُقامونَ فاعِلينَ لِأربَعةِ أفعال.
وهذا كُلُّ عَمَلِ الآية. لم تَقُلْ شَيئاً عن الدّاعين. جَعَلَتْهُم صِلةً في الطَّرَف: «الَّذِينَ يَدْعُونَ»، ثُمَّ مَضَت إلى المَدعُوِّينَ فوَصَفَتْهُم بِأربَعةِ أفعالٍ مُضارِعةٍ مُتَتابِعة: يَبتَغون، ويَرجون، ويَخافون، وبَينَها قِسمةُ الأقرَب. الكَلامُ في المَقصودِ لا في القاصِد.
ومن نَظَرَ إلى الأفعالِ الأربَعةِ عَرَفَ ما تَصنَعُه الآية: هي لا تَنزِعُ عن المَدعُوِّينَ شَيئاً وتُثبِتُ لَهُم أشياء. تُثبِتُ لَهُم طَلَباً وقُرباً ورَجاءً وخَوفاً. ومَن يَطلُبُ ويَرجو ويَخافُ فهو في الصَّفِّ الذي وَقَفَ فيه الدّاعي، لا في الجِهةِ التي دُعِيَ منها.
«يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ»: طَلَبٌ يَجري إلى، لا مِن
حَرفٌ واحِدٌ يَحسِمُ الجِهة. لم يُقَلْ «يَبتَغونَ من رَبِّهِم»، فيَكونونَ آخِذينَ. قيلَ «إِلَىٰ رَبِّهِمُ»، فهُم مادّونَ لا مَمدودٌ إلَيهِم. الحَرَكةُ صادِرةٌ عنهُم مُتَّجِهةٌ إلى فَوق.
و«يَبْتَغُونَ» على افتَعَل، والافتِعالُ يَنسِبُ الفِعلَ إلى صاحِبِه ويَجعَلُه مُتَكَلِّفاً له من نَفسِه. فالطَّلَبُ لَيسَ مَحمولاً عَلَيهِم؛ هو فِعلُهُم يَجتَهِدونَ فيه. والجَذرُ ب-غ-ي يَدورُ على طَلَبٍ يَنفُذُ من داخِلٍ مَضغوطٍ ثُمَّ يَمتَدُّ فلا يَقِف. فهو طَلَبٌ لا يُقالُ فيه إنَّه بَلَغ.
و«الْوَسِيلَةَ» لم تُوصَفْ في الآيةِ بِشَيءٍ سِوى جِهَتِها. لم يُقَلْ ما هي، ولا مِمَّ هي، ولا كَيفَ تُنال. قيلَ إلى من تُبتَغى، ومن يَبتَغيها. والجَذرُ و-س-ل خَيطٌ يُمَدُّ فيُوصَلُ ويُتَعَلَّقُ بِه، فالمُبتَغى حَبلٌ لا مَقعَد. ومن كانَ يَتَحَسَّسُ حَبلاً فلَيسَ هو الذي يُتَعَلَّقُ بِه.
«أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»: رُتبةٌ داخِلَ الجَماعةِ نَفسِها
جُملةٌ تُبدَلُ من فاعِلِ الابتِغاء، فتُفَصِّلُ ما أُجمِل. لم يُقَلْ إنَّهُم يَبتَغونَ جَميعاً على سَواء. قيلَ «أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»، فانقَسَموا في الطَّلَبِ إلى أقرَبَ ومن هو دونَه.
و«أَقْرَبُ» أفعَلُ تَفضيلٍ، وهو الحَرفُ الذي يَجعَلُ الجَماعةَ سُلَّماً لا صَفّاً. وهذه هي القِسمةُ التي مَضَت في السّورةِ قَبلَ آيَتَين: فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. هُناكَ تَقَعُ الرُّتبةُ بَينَ حامِلي النَّبَإ، وهُنا بَينَ من يُدعَونَ من دونِه. التَّفاضُلُ يَتبَعُ الجِنسَ حَيثُما وُجِد.
ومَن كانَ بَينَه وبَينَ نَظيرِه دَرَجةٌ، فبَينَه وبَينَ من فَوقَ الدَّرَجاتِ ما لا يُقاس. السُّلَّمُ يَشهَدُ على من يَقِفُ عَلَيه.
«وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ»: جِهَتانِ في نَفسٍ واحِدة
فِعلانِ مُتَعاكِسانِ لِفاعِلٍ واحِد. الرَّجاءُ امتِدادٌ نَحوَ ما يُنتَظَرُ ويَبقى مَوصولاً بِمُنتَظِرِه، والخَوفُ تَخَلخُلٌ في الباطِنِ يَنفُذُ فيه ما يُهَدِّد. أحَدُهُما يَمُدُّ والآخَرُ يَفتَحُ فَراغاً.
ولم تُقَدَّمِ الرَّحمةُ ويُؤَخَّرِ العَذابُ مُصادَفةً. الرَّجاءُ أوَّلاً، والخَوفُ ثانِياً، والفاعِلُ فيهِما واحِدٌ لا يَنقَسِم. لَيسَ في الآيةِ فَريقٌ يَرجو وفَريقٌ يَخاف؛ الأربَعةُ أفعالٍ لِواوٍ واحِدة.
وهُما مُضافانِ إلى ضَميرٍ واحِد: «رَحْمَتَهُ»، «عَذَابَهُ». فالمَرجُوُّ والمَخوفُ من جِهةٍ واحِدة. من لا تَرجو إلّا مِمَّن تَخاف، فقد أقَمتَ وَجهَك حَيثُ لا وَجهَ سِواه.
«إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا»: اسمُ مَفعولٍ يُسَمّي المَقصِد
يَنتَقِلُ الضَّميرُ. كانَ «رَبِّهِمُ» ثَلاثَ مَرّات، فصارَ «رَبِّكَ». انصَرَفَ الوَصفُ عن المَوصوفينَ ورَجَعَ إلى المُخاطَب. الجُملةُ الأخيرةُ لَيسَت تَتِمّةَ وَصفِهِم؛ هي حُكمٌ يُوضَعُ بَينَ يَدَيك أنتَ.
و«مَحْذُورًا» اسمُ مَفعولٍ من ح-ذ-ر. والجَذرُ يَدورُ على إبرازِ طَرَفٍ دَقيقٍ من ضيقٍ باطِنٍ يَجري ولا يَحتَبِس، وهذه حَرَكةٌ تُمَدُّ لا هَيئةٌ تُلبَس. واسمُ المَفعولِ لا يُسَمّي المادَّ ولا المَدَّ؛ يُسَمّي ما يُمَدُّ إلَيه. فالعَذابُ هو المَوضِعُ الذي يُوَجَّهُ نَحوَه الطَّرَف، لا الحَذَرُ نَفسُه ولا الحاذِر.
ولِذلك جاءَتِ الجُملةُ بَعدَ «وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ» ولم تَجِئْ بَعدَ ذِكرِ الخائِفين. هي تَصِفُ المَخوفَ لا الخائِف، وتُصَحِّحُ الفِعلَ بِتَصحيحِ مَحَلِّه: هؤُلاءِ يَخافونَ، وما خافوهُ أهلٌ لِأن يُحذَر. ثُمَّ «كَانَ» تَجعَلُ الوَصفَ ثابِتاً لا حادِثاً، والتَّنكيرُ يُبقيه بِلا حَدٍّ يُقاسُ بِه.
وهُنا يَنكَشِفُ التَّرتيبُ كُلُّه. أربَعةُ أفعالٍ يَفعَلُها المَدعُوّ، آخِرُها خَوف، ثُمَّ جُملةٌ تُثَبِّتُ أنَّ ما خافَه أهلٌ لِذلك. فالمَدعُوُّ يَحذَر، والدّاعي يَدعوه. وأحَدُهُما مُوَجَّهٌ إلى المَوضِعِ الصَّحيح.
حَصيلة
تُؤخَذُ الآيةُ الأولى من آخِرِها فيُقلَبُ المَفعولُ فاعِلاً: من كانوا يُدعَونَ يَصيرونَ هُمُ الفاعِلينَ لِأربَعةِ أفعال. يَبتَغونَ على افتِعالٍ يَنسِبُ الطَّلَبَ إلى صاحِبِه، و«إِلَىٰ» تَحسِمُ الجِهةَ فتَجعَلُهُم مادّينَ لا مَمدوداً إلَيهِم، والوَسيلةُ لا تُوصَفُ إلّا بِوِجهَتِها، وهي في جَذرِها خَيطٌ يُمَدُّ ويُتَعَلَّقُ بِه. ثُمَّ يُقسَمونَ في الطَّلَبِ نَفسِه: «أَيُّهُمْ أَقْرَبُ»، فالجَماعةُ سُلَّمٌ لا صَفّ، كما قُسِمَ حامِلو النَّبَإ قَبلَ آيَتَين. ثُمَّ يُجمَعُ لَهُم رَجاءٌ يَمتَدُّ وخَوفٌ يَتَخَلخَل، والمَرجُوُّ والمَخوفُ من جِهةٍ واحِدةٍ لا من جِهَتَين. ثُمَّ يَنصَرِفُ الضَّميرُ إلى المُخاطَب، ويُختَمُ بِاسمِ مَفعولٍ لا بِاسمِ فاعِل: «مَحْذُورًا»، فالمُسَمّى هو المَقصِدُ لا الحَرَكةُ ولا صاحِبُها. الآيةُ تَصِفُ ما يُخافُ منه لا من يَخاف، وتَدَعُ الدّاعيَ يَنظُرُ إلى من دَعا وهو رافِعٌ يَدَيه مِثلَه.