البقرة · الآية 243

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

الجذر (ر أ ي): «أَلَمْ تَرَ» استِحضارٌ لا استِفهامٌ

أُلاحِظُ أنَّ الفِعلَ «تَرَ» هُنا ليسَ طَلَبًا لِلرُؤيةِ البَصَريَّةِ، إذ المُخاطَبُ النَّبيُّ لَم يَشهَدِ المَشهَدَ بِعَينِه. جَذرُ (ر أ ي) في القُرآنِ يَمتَدُّ إلى رُؤيةِ القَلبِ والعِلمِ، فَالاستِفهامُ «أَلَمْ تَرَ» صيغةٌ استِحضاريَّةٌ (تَنبيهِيَّةٌ) تَستَدعي عِلمَ المُخاطَبِ وتُشرِكُه في مَشهَدٍ يَعرِفُه. والغَرَضُ أن يَدخُلَ السّامِعُ السّورةَ التالِيةَ مِن داخِلِ هذا المَشهَدِ لا مِن خارِجِه.

الجذر (خ ر ج) و(د و ر): الخُروجُ مِنَ الدِّيارِ عَقدٌ جَماعيٌّ

أُبَيِّنُ أنَّ (خ ر ج) يَدُلُّ عَلى الانتِقالِ مِن حَيِّزٍ إلى حَيِّزٍ، و(د و ر) يُشيرُ إلى الدّارِ بِوَصفِها مَجالَ الاستِقرارِ وَالدَّوَرانِ الحَياتيِّ المُتَكَرِّرِ. «خَرَجوا مِن دِيارِهِم» ليسَ هِجرةً دينيَّةً ولا خُروجًا فَرديًّا؛ إنَّما هو قَرارٌ جَماعيٌّ بِتَركِ مَجالِ الاستِقرارِ الأصليِّ. الوَصفُ «وَهُم أُلوفٌ» يُؤَكِّدُ الطابَعَ الجَمعيَّ، فَهذا قَرارٌ اجتِماعيٌّ لا اختِيارٌ فَرديٌّ.

الجذر (أ ل ف): دَلالةُ العَدَدِ والأُلفةِ مَعًا

أُشيرُ إلى أنَّ (أ ل ف) في العَرَبيَّةِ يَحمِلُ مَعنى العَدَدِ الكَثيرِ (الألف)، ومَعنى الأُلفةِ (الاجتِماعُ عَلى مَوَدَّةٍ). والنَّصُّ يَختارُ «أُلوف» (جَمعُ ألفٍ) لا «ألفًا» المُفرَدَ. هذا الاختيارُ يُشيرُ إلى جَماعاتٍ مُتَحالِفةٍ، كُلُّها خَرَجَت خَوفًا. الحَشدُ لَم يَكُن هَرَبًا فَردِيًّا؛ كانَ تَواطُؤًا كَبيرًا، وحُشودًا تَحتَمي بِحُشودٍ، كَأنَّ الكَثرةَ ذاتَها حِصنٌ.

الجذر (ح ذ ر) و(م و ت): الحَذَرُ لا يَدفَعُ القَدَر

أُؤَكِّدُ أنَّ جَذرَ (ح ذ ر) يَدُلُّ عَلى التَّحَرُّزِ واستِباقِ الخَطَرِ بِفِعلٍ دَفعيٍّ. «حَذَرَ المَوتِ» حالٌ مَنصوبٌ يُبَيِّنُ السَّبَبَ: خَرَجوا في حالِ تَحَرُّزٍ مِنَ المَوت. ثُمَّ يَأتي الجَوابُ الإلهيُّ المُباشِرُ: «موتوا»، فَيَحصُلُ ما مِنهُ فَرّوا في اللَّحظةِ التي ظَنّوا أنَّهُم نَجَوا. الدَّرسُ البَنيويُّ: الحَذَرُ إجراءٌ دُنيَوِيٌّ صالِحٌ إذا صاحَبَه تَوَكُّلٌ، لَكِنَّه إذا صارَ بَديلًا عَنِ التَّوَكُّلِ صارَ خَديعةً.

الجذر (ح ي ي): الإحياءُ إعادةُ الخيارِ لا مُجَرَّدُ عَودةِ النَّفَس

أُبَيِّنُ أنَّ (ح ي ي) لا يَقتَصِرُ في القُرآنِ عَلى حَرَكةِ الجَسَدِ؛ بَل يَشمَلُ عَودةَ المَعنى والقُدرةَ عَلى الفِعلِ المُسؤولِ. «ثُمَّ أحياهُم» بَعدَ «موتوا» فَتحٌ جَديدٌ لِفُرصةِ الاختيار: أن يَعيشوا مَرَّةً أُخرى لَكِن مَعَ اختبارِ المَوتِ خَلفَهُم. هذا الإحياءُ ليسَ مُكافَأةً، إنَّما هو استِئنافُ المُسابَقةِ. قِصَّتُهُم تَرِدُ قَبلَ آياتِ القِتالِ لِتُقَرِّرَ أنَّ الفِرارَ مِنَ المُواجَهةِ ليسَ طَريقًا لِلحياة.

الجذر (ف ض ل) و(ش ك ر): خَتمُ القِصَّةِ بِمَبدأَينِ

أُلاحِظُ أنَّ الآيةَ لا تَختِمُ بِحُكمٍ فَرديٍّ عَلى أولَئكَ القَوم، بَل تَقفِزُ إلى مَبدأٍ كَونيٍّ: «إنَّ اللهَ لَذو فَضلٍ عَلى النّاس». الفَضلُ عَطاءٌ زائِدٌ عَمّا يَستَحِقُّ العَبدُ. هُنا الإحياءُ فَضلٌ لا جَزاءٌ. والشُّكرُ في جَذرِ (ش ك ر) ليسَ مُجَرَّدَ قَولٍ لِسانيٍّ؛ إنَّما هو تَوظيفُ النِّعمةِ في مَوضِعِها. «لا يَشكُرون» أي لا يُوَظِّفونَ الحَياةَ المُستَرَدَّةَ في مَوضِعِها الصَّحيح، فَيَظَلّونَ في نَفسِ الدائِرةِ المَعهودةِ مِنَ الخَوفِ وَالفِرار.

الجذر (ن و س): «أَكثَرَ النّاسِ» لا «أكثَرَهُم»

أؤَكِّدُ أنَّ النَّصَّ يَنتَقِلُ مِنَ الضَّميرِ الخاصِّ بِالقَومِ إلى الاسمِ العامِّ «النّاس». هذا انتِقالٌ بَنيَويٌّ حاسِم: القِصَّةُ ليسَت عَنِ القَومِ السّابِقينَ فَحَسب، بَل هي حَقيقةٌ ثابِتةٌ في السُّلوكِ البَشَريِّ. أكثرُ النّاسِ يَتَحاشَونَ المَوتَ بِشَكلٍ لا يَعترِفونَ بِفَضلِ الحَياةِ مِن خِلالِه. الفَضلُ يُعاشُ، لَكِنَّ الشُّكرَ يَغيبُ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ الحَذَرِ الجَماعيِّ لا يُجاوِزُ دَورَ التَّوَكُّل، وَدَورُ الإحياءِ فَضلٌ يَستَدعي الشُّكرَ المُوَظَّفَ في مَوضِعِه قَبلَ أن يَكونَ امتِنانًا لِسانيًّا.


حَصيلة

الآيةُ تَفتَتِحُ بِاستِحضارٍ لا باستِفهام: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فجَذرُ (ر-أ-ي) هُنا رُؤيةُ قَلبٍ لا رُؤيةُ عَين، و«أَلَمْ تَرَ» دَعوةٌ لِلدُّخولِ في مَشهَدٍ سابِق لا طَلَبُ شَهادةٍ حاضِرة. الخُروجُ مِنَ الدِّيارِ. وجَذرُ (د-و-ر) يَعني الفَضاءَ الذي يَدورُ فيه الإنسانُ دَورانَ يَومِه. ليسَ فِرارًا فَرديًّا بَل قَرارٌ جَماعيٌّ مُتَحالِف. «أُلوف» مِن (أ-ل-ف) يَحمِلُ العَدَدَ الكَثيرَ والأُلفةَ التي تَجمَعُ أصحابَها، فَالكَثرةُ ذاتُها صارَت حِصنًا مَوهوماً. ثُمَّ يَجيءُ الجَوابُ الإلهيُّ المُباشِر: «موتوا» مِن جَذرِ (م-و-ت) الذي يُمثِّلُ الانقِطاعَ التامَّ. فَتَحَقَّقَ ما مِنهُ فَرّوا في عَينِ لَحظةِ الفِرار. الحَذَرُ بِلا تَوَكُّلٍ خَديعةٌ لِصاحِبِه. ثُمَّ جاءَ «أحياهُم» مِن (ح-ي-ي): لَيسَ مُجَرَّدَ رَدِّ النَّفَسِ بَل استِئنافُ مَقامِ الاختِيارِ المَسؤول. وهَذا الإحياءُ فَضلٌ مِن جَذرِ (ف-ض-ل). عَطاءٌ زائِدٌ عَمّا يَستَحِقُّه العَبد. لا جَزاءٌ عَلى صَبرٍ مَبذول. والشُّكرُ مِن (ش-ك-ر) لَيسَ قَولًا لِسانيًّا بَل تَوظيفُ الحَياةِ المُستَرَدَّةِ في مَوضِعِها: وهذا ما أخفَقَ فيه «أكثَرُ النّاسِ». والانتِقالُ مِن ضَميرِ القَومِ إلى (ن-و-س) العامِّ يَجعَلُ القِصَّةَ سُنَّةً في السُّلوكِ البَشَريِّ لا حادِثةً مُنتَهية. تَرِدُ الآيةُ قَبلَ سِلسِلةِ طالوتَ وجالوتَ لِتُقَرِّرَ المَبدأَ الأوَّلَ: الفِرارُ مِنَ المُواجَهةِ لَيسَ طَريقًا للحياة، والإحياءُ بَعدَ المَوتِ فَضلٌ يَستَدعي شُكرًا مُوَظَّفاً لا مُجَرَّدَ امتِنانٍ لِساني.