طه · الآية 79
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَأَضَلَّ»: وَزنٌ يَنقُلُ الحالَ إلى غَيرِ صاحِبِه
الفِعلُ على وَزنِ أفعَلَ. لَم يُقَل «ضَلَّ فِرعَونُ» بَل «أَضَلَّ»، فالحالُ لَم تُوصَف بِه بَل نُقِلَت إلى سِواه.
والضَّلالُ من ض-ل-ل ثِقَلٌ يَنبَسِطُ ويَنتَشِرُ حَتّى يَضيعَ في سَعَتِه. ومنه «ضَلَّ الماءُ في اللَّبَن» إذا اختَلَطَ فلَم يُوجَد. فهو انفِراطٌ لا وُقوفٌ في مَكانٍ خاطِئ.
وهذا الوَزنُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ بِفاعِلٍ آخَر: وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾. صيغةٌ واحِدةٌ ومَفعولٌ واحِدٌ وفاعِلانِ مُختَلِفان.
«قَوْمَهُ»: الهاءُ الثّالِثةُ في سَطرَين
قيلَ في الآيةِ قَبلَها بِجُنُودِهِ﴾ ويُقالُ هُنا «قَوْمَهُ». إضافَتانِ إلى ضَميرِه في مَوضِعَينِ مُتَتالِيَين.
والقَومُ من ق-و-م عَقدٌ يُحيطُ ثُمَّ يَضُمُّ ويُلاصِق. فالجَماعةُ سُمِّيَت بِما يُقيمُها لا بِعَدَدِها.
فالذي أضاعَهُم أضاعَ ما كانَ مَنسوباً إلَيه. ولَم تَقُلِ الآيةُ إنَّه أضَلَّ قَوماً، بَل قَومَه هو.
«وَمَا هَدَىٰ»: فِعلٌ يُنفى بِلا مَفعولٍ يُذكَر
لِلفِعلِ الأوَّلِ مَفعولٌ صَريح، ولِلثّاني لا مَفعولَ ألبَتّة. أُثبِتَ فِعلٌ على قَومٍ ونُفِيَ فِعلٌ بِلا أحَد.
ولَم يُقَل «وَما أهدى» بِوَزنِ الأوَّل، بَل «وَمَا هَدَىٰ» مُجَرَّداً. فالمَنفِيُّ لَيسَ نَقيضَ المُثبَتِ في صيغَتِه.
ولَو كانَ الإضلالُ والهُدى ضِدَّينِ لا ثالِثَ لَهُما لَكانَتِ الجُملةُ الثّانِيَةُ فَضلاً في الكَلام. فذِكرُها يَقولُ إنَّهُما لا يَتَلازَمانِ بِالنَّفي: يُمكِنُ أن يُضِلَّ رَجُلٌ ويُقالَ مَعَ ذلك إنَّه هَدى في شَيء. والآيةُ تُغلِقُ هذا الباب.
الفِعلُ المُجَرَّدُ نَفسُه أُثبِتَ في هذه السّورةِ لِغَيرِه
في هذه السّورةِ سَأَلَ فِرعَونُ عن رَبِّهِما، فكانَ الجَوابُ يَنتَهي إلى فِعلَينِ آخِرُهُما ثُمَّ هَدَىٰ﴾. كَلِمَتانِ لا مَفعولَ بَعدَهُما.
وهُنا الكَلِمةُ نَفسُها مُجَرَّدةً كَما كانَت، ودَخَلَ عَلَيها حَرفُ النَّفي. لَفظٌ واحِدٌ في مَوضِعَين، أُثبِتَ في جَوابٍ قيلَ لِفِرعَونَ ثُمَّ نُفِيَ عن فِرعَون.
وما بَينَ المَوضِعَينِ مَشهَدٌ كامِلٌ من الدَّعوى والمَوعِدِ والغَلَبة. ثُمَّ يُقالُ في كَلِمَتَينِ ما لَم يَقُله المَشهَدُ كُلُّه.
حَصيلة
الفِعلُ على وَزنِ أفعَلَ لا على المُجَرَّد: لَم يُوصَف بِالحالِ بَل نُقِلَت إلى سِواه، والضَّلالُ من ض-ل-ل انبِساطٌ ثَقيلٌ يَنتَشِرُ حَتّى يَضيعَ في سَعَتِه، لا وُقوفٌ في مَوضِعٍ خاطِئ. والوَزنُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ بِفاعِلٍ آخَرَ ومَفعولٍ هو هذا المَفعول. و«قَوْمَهُ» ثالِثةُ الإضافاتِ إلى ضَميرِه في سَطرَين، والقَومُ من ق-و-م عَقدٌ يُحيطُ ثُمَّ يَضُمُّ ويُلاصِق، فالجَماعةُ مُسَمّاةٌ بِما يُقيمُها. ثُمَّ يُنفى فِعلٌ بِلا مَفعول: لِلمُثبَتِ مَفعولٌ صَريحٌ ولِلمَنفِيِّ لا أحَد. ولَم يُقَل «وَما أهدى» بِوَزنِ الأوَّلِ بَل جاءَ المُجَرَّد، فالمَنفِيُّ لَيسَ نَقيضَ المُثبَتِ في صيغَتِه، ولَو كانا ضِدَّينِ لَكانَ ذِكرُ الثّاني فَضلاً. وهذا اللَّفظُ المُجَرَّدُ بِعَينِه أُثبِتَ في هذه السّورةِ في جَوابٍ قيلَ لِفِرعَونَ عَينِه، كَلِمَتَينِ بِلا مَفعولٍ بَعدَهُما، ثُمَّ عادَ هُنا مَنفِيّاً عنه. فِعلٌ واحِدٌ في مَوضِعَين، أُعطِيَ في السُّؤالِ ومُنِعَ في الخِتام.