طه · الآية 90

﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي

«مِن قَبْلُ»: بَراءةٌ تُوضَعُ قَبلَ السُّؤال

سيُسألُ الرَّجُلُ بَعدَ سَطرَين: مَا مَنَعَكَ﴾. وتَضَعُ هذه الآيةُ كَلامَه قَبلَ السُّؤال.

فالقارِئُ الذي يَبلُغُ السُّؤالَ يَبلُغُه وقد سَمِعَ الجَوابَ. الآيةُ تُبَرِّئُه قَبلَ أن يُسأَل، وتَرتيبُ التَّنزيلِ هو الذي فَعَلَ ذلك لا شَيءٌ سِواه.

وصُدِّرَت بِواوٍ ولامٍ و«قَد» ثُمَّ ماضٍ. أربَعةُ أشياءَ تُثَبِّتُ الخَبَرَ وتَجعَلُه ماضِياً مَفروغاً مِنه.

و«مِن قَبْلُ» مَبنِيّةٌ على الضَّمِّ لِأنَّ ما تُضافُ إلَيه مَحذوف. فلم يُقَلْ قَبلَ ماذا. والسّياقُ يَضَعُ الحَدَّ ولا تَضَعُه الكَلِمة.

«إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ»: حَصرٌ ومَبنِيٌّ لِلمَجهولٍ وباءُ آلة

«إنَّما» أداةُ حَصر: لَيسَ الأمرُ إلّا هذا، وما تَظُنّونَه فَوقَ ذلك مَرفوع.

و«فُتِنتُم» مَبنِيٌّ لِلمَجهولِ كَما بُنِيَ «حُمِّلنا» في عُذرِهِم. مَرَّتانِ في هذا المَشهَدِ يُرفَعُ الفاعِلُ من الجُملة.

والجَذرُ ف-ت-ن هُنا في مَوضِعِه الثّاني في هذا المَجلِس. قيلَ أوَّلاً فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ بِإسنادٍ صَريح، ويُقالُ لَهُم هُنا «فُتِنتُم» بِلا إسناد. والحَدَثُ واحِدٌ والبِناءانِ مُختَلِفان.

والباءُ في «بِه» باءُ الآلة: بِه فُتِنوا، فهو الأداةُ في الفِتنةِ لا الفاعِلُ فيها. وهذا وَحدَه يَضَعُ الشَّيءَ في مَوضِعِه من الجُملةِ كُلِّها.

«وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ»: الاسمُ الذي فُتِحَت بِه السّورة

لم يَقُلْ «وإنَّ رَبَّكُمُ اللهُ». وَضَعَ في مَوضِعِ الخَبَرِ الاسمَ الذي افتَتَحَتْ بِه السّورةُ كَلامَها عن الرَّبّ: الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾.

والاسمُ لَه مَدخَلٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه، ومادَّتُه ر-ح-م احتِواءٌ في باطِنٍ يُمسِكُ ما فيه ولا يُسلِمُه.

والذي تَزيدُه هذه الآيةُ مَوضِعُه من الجُملة: وَقَعَ خَبَراً لِمُبتَدَأٍ مُضافٍ إلى ضَميرِ المُخاطَبين. فالرَّبُّ الذي هو رَبُّهُم هو هذا الاسمُ بِعَينِه، والجُملةُ مُؤَكَّدةٌ بِـ«إنَّ» كَالتي قَبلَها.

«فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي»: أمرانِ لا أمرٌ واحِدٌ مُكَرَّر

الاتِّباعُ في ت-ب-ع سَيرٌ يَطَأُ أثَرَ سابِقٍ ويَلزَمُه، و«اتَّبَعَ» على وَزنِ افتَعَلَ تَرُدُّ الحَدَثَ إلى فاعِلِه فيَكونُ صَنعَتَه. فالمَطلوبُ الأوَّلُ حَرَكةٌ تَقَعُ بِأقدامِهِم هُم.

والطّاعةُ في ط-و-ع انبِساطٌ يَلتَئِمُ بِما يُطلَبُ مِنه فيَجري بِه، كَمُطاوَعةِ الأداةِ لِمَن أمسَكَها. فالمَطلوبُ الثّاني انقِيادٌ يَقَعُ عِندَ الطَّلَب.

ولَو كانَ الثّاني تَكراراً لِلأوَّلِ لَاستُغنِيَ عنه. وقد عُطِفَ عَلَيه، فهُما اثنان: مَشيٌ خَلفَ رَجُل، وانقِيادٌ لِما يُصدِرُه.

و«أَمْرِي» مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، والأمرُ في أ-م-ر انبِعاثٌ يَجتَمِعُ ثُمَّ يَجري. وهذه الكَلِمةُ بِعَينِها ستُقالُ لَه بَعدَ ثَلاثِ آيات، مِن فَمٍ آخَرَ وفي جِهةٍ أُخرى.


حَصيلة

السُّؤالُ آتٍ بَعدَ سَطرَين، وهذه الآيةُ تَضَعُ الجَوابَ قَبلَه: تُبَرِّئُ الرَّجُلَ قَبلَ أن يُسأَل، وتَرتيبُ التَّنزيلِ وَحدَه هو الذي صَنَعَ ذلك. وصُدِّرَ الخَبَرُ بِواوٍ ولامٍ و«قَد» وماضٍ، و«مِن قَبْلُ» مَبنِيّةٌ لِحَذفِ ما تُضافُ إلَيه فلم يُقَلْ قَبلَ ماذا. ثُمَّ «إنَّما» تَحصُر، و«فُتِنتُم» يُبنى لِلمَجهولِ كَما بُنِيَ «حُمِّلنا» في عُذرِهِم، وهو الجَذرُ الذي قيلَ أوَّلاً بِإسنادٍ صَريح، والباءُ في «بِه» باءُ آلةٍ تَضَعُ الشَّيءَ أداةً لا فاعِلاً. ثُمَّ يَقَعُ في مَوضِعِ الخَبَرِ الاسمُ الذي افتَتَحَت بِه السّورةُ كَلامَها عن الرَّبّ، ومادَّتُه ر-ح-م احتِواءٌ في باطِنٍ يُمسِكُ ما فيه، ولَه مَدخَلٌ في المُعجَم. ثُمَّ أمرانِ لا واحِد: اتِّباعٌ من ت-ب-ع وَطءٌ لِأثَرِ سابِقٍ على وَزنِ افتَعَلَ يَرُدُّ الفِعلَ إلى صاحِبِه، وطاعةٌ من ط-و-ع انبِساطٌ يَلتَئِمُ بِما يُطلَبُ فيَجري بِه. مَشيٌ خَلفَ رَجُلٍ وانقِيادٌ لِما يُصدِرُه، وآخِرُ كَلِمةٍ فيهِما هي التي سَتُرَدُّ عَلَيه بَعدَ ثَلاثِ آيات.