طه · الآية 83
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَمَا ... يَا مُوسَىٰ»: قالَبُ سُؤالٍ سَبَقَ في هذه السّورة
خِطابٌ كانَ لِجَماعةٍ فصارَ لِواحِد. كافُ الجَمعِ في السُّطورِ قَبلَه، ثُمَّ كافُ المُفرَدِ مَرَّتَينِ واسمٌ يُنادى.
وقَد جاءَ في هذه السّورةِ سُؤالٌ على هذا القالَبِ نَفسِه: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾. يُفتَتَحُ بِـ«وَمَا» ويُختَتَمُ بِـ«يَا مُوسَىٰ»، والاسمُ في آخِرِ الجُملةِ في المَوضِعَين.
وذاكَ سُؤالٌ عن شَيءٍ في اليَد، وهذا سُؤالٌ عن شَيءٍ في السَّير. والصّيغةُ واحِدةٌ والمَسؤولُ واحِد.
«مَا أَعْجَلَكَ»: سُؤالٌ يَطلُبُ فاعِلاً غَيرَ المَسؤول
الفِعلُ على وَزنِ أفعَلَ ومَفعولُه كافُ الخِطاب. فالمُخاطَبُ مَفعولٌ لا فاعِل، و«ما» تَسأَلُ عَنِ الفاعِل.
ولَم يُقَل «لِمَ عَجِلتَ». قيلَ «مَا أَعْجَلَكَ»، أي أيُّ شَيءٍ حَمَلَكَ على العَجَلة. السُّؤالُ يَضَعُ العِلّةَ خارِجَ صاحِبِها ويَطلُبُ اسمَها.
والعَجَلةُ من ع-ج-ل ظُهورٌ يَنبَثِقُ من عُمقٍ ثُمَّ يَمتَدُّ قَبلَ أوانِه. فهي سَبقُ الشَّيءِ زَمَنَه لا مُجَرَّدُ سُرعَتِه.
«عَن قَوْمِكَ»: حَرفٌ يُعَرِّفُ العَجَلةَ بِما تُرِكَ لا بِما قُصِد
«عَن» لِلمُجاوَزةِ والبُعدِ عن شَيء. فالعَجَلةُ قيسَت هُنا بِالمَتروكِ لا بِالمَقصود.
ولَم يُقَل «وما أعجَلَكَ إلينا». السُّؤالُ يَذكُرُ الخَلفَ ويَسكُتُ عن الأمام، فيَبقى الأمامُ لِلمَسؤولِ إن شاءَ أن يَذكُرَه.
و«قَوْمِكَ» مُضافٌ إلى كافِه. والقَومُ من ق-و-م عَقدٌ يُحيطُ ثُمَّ يَضُمُّ ويُلاصِق. فالمَتروكُ جَماعةٌ مَنسوبةٌ إلَيه لا نَفَرٌ عابِرون.
وقَد قيلَ في هذا العُنقودِ عن رَجُلٍ آخَرَ إنَّه أضَلَّ قَومَه. لَفظٌ واحِدٌ في مَوضِعَينِ بِإضافَتَين: هُناكَ هاءُ الغائِبِ ومَعَها فِعلٌ مُثبَت، وهُنا كافُ المُخاطَبِ ومَعَها سُؤال.
جَذرٌ يَعودُ في السّورةِ إلى مُخاطَبٍ آخَر
ويَرِدُ هذا الجَذرُ نَفسُه في هذه السّورةِ نَهياً: وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾. مَرَّةً سُؤالٌ لِمَن عَجِلَ، ومَرَّةً نَهيٌ لِمَن لَم يُذكَر عنه أنَّه عَجِل.
والثّانِيَةُ لا مَشهَدَ لَها ولا حِكاية. لا يُقالُ مَتى ولا فيمَ، بَل يُنهى فَحَسب. والأُولى في وَسَطِ قِصّةٍ والثّانِيَةُ في وَسَطِ خِطاب.
فمَوضِعانِ في سورةٍ واحِدة: سُؤالٌ يَستَخرِجُ جَواباً، ونَهيٌ لا يُنتَظَرُ لَه جَواب.
حَصيلة
يَنتَقِلُ الخِطابُ من كافِ الجَماعةِ في السُّطورِ قَبلَه إلى كافِ المُفرَدِ واسمٍ يُنادى في الآخِر، وهو قالَبٌ سَبَقَ في هذه السّورةِ بِعَينِه: «وَمَا» في الأوَّلِ و«يَا مُوسَىٰ» في الآخِر، مَرَّةً عن شَيءٍ في اليَدِ ومَرَّةً عن شَيءٍ في السَّير. والفِعلُ على وَزنِ أفعَلَ ومَفعولُه المُخاطَب، فالسّائِلُ يَطلُبُ فاعِلاً غَيرَ المَسؤولِ ولَم يَقُل «لِمَ عَجِلتَ»، والعَجَلةُ من ع-ج-ل ظُهورٌ يَنبَثِقُ من عُمقٍ ويَمتَدُّ قَبلَ أوانِه، فهي سَبقُ الزَّمَنِ لا مُجَرَّدُ السُّرعة. و«عَن» لِلمُجاوَزةِ فتُقاسُ العَجَلةُ بِالمَتروكِ لا بِالمَقصود، ويُسكَتُ عَنِ الأمامِ فيُترَكُ لِلمَسؤول. و«قَوْمِكَ» من ق-و-م عَقدٌ يُحيطُ ويَضُمّ، وهو اللَّفظُ الذي أُضيفَ في هذا العُنقودِ إلى غائِبٍ مَعَ فِعلٍ مُثبَت، ويُضافُ هُنا إلى مُخاطَبٍ مَعَ سُؤال. ويَعودُ الجَذرُ في السّورةِ نَهياً لِمُخاطَبٍ آخَرَ بِلا مَشهَدٍ يُحكى: سُؤالٌ يَستَخرِجُ جَواباً هُنا، ونَهيٌ لا جَوابَ لَه هُناك.