طه · الآية 85

﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ

«فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا»: جَوابٌ يَرُدُّ السّائِلَ إلى ما اطمَأَنَّ إلَيه

السُّؤالُ كانَ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ﴾، والجَوابُ كانَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي﴾. ثُمَّ تَجيءُ هذه الآيةُ فلا تَتَكَلَّمُ عن العَجَلةِ ألبَتّة.

تَتَكَلَّمُ عن القَومِ الذين قيلَ إنَّهُم في الأثَر. المَوضِعُ الذي وُضِعَ فيه الاطمِئنانُ هو المَوضِعُ الذي وَقَعَ فيه الخَبَر.

وصُدِّرَ بِـ«إنَّ» و«قَد» والفِعلِ الماضي. ثَلاثُ أدَواتٍ تَضَعُ الأمرَ خَلفَ المُتَكَلِّمِ لا أمامَه: وَقَعَ وانتَهى، ولَيسَ مِمّا يُنتَظَر.

والفِتنةُ في ف-ت-ن ضَغطٌ يُفَتِّتُ حَتّى يَبرُزَ ما في الجَوف. ومنه «فَتَنَ الذَّهَبَ» أدخَلَهُ النّارَ لِيَظهَرَ ما فيه. والجَذرُ نَفسُه سَبَقَ في هذه السّورةِ واقِعاً على المُخاطَبِ وَحدَه: وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾. فما جَرى عَلَيه هُناكَ يَجري على قَومِه هُنا.

«قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ»: كافانِ تُقاسُ بِهِما الجَماعةُ والزَّمان

لم يَقُلْ «القَومَ» ولا «قَومَهُم». قالَ «قَومَكَ»، فأضافَ الجَماعةَ إلى المُخاطَبِ نَفسِه.

ثُمَّ لم يَقُلْ «مِن بَعدِ ذَهابِك» ولا «مِن بَعدِ حين». قالَ «مِن بَعدِكَ»، فأضافَ الزَّمانَ إلى المُخاطَبِ أيضاً.

والبُعدُ في ب-ع-د خُروجٌ يَظهَرُ من عُمقِ المَسافةِ ثُمَّ يَثبُتُ وَراءَ حَدٍّ مُنفَصِل. وهو هُنا حَدٌّ لا يُقاسُ بِيَومٍ ولا بِمَنزِل، بل بِرَجُلٍ غاب. فالكافُ مَرَّتَينِ تَجعَلُ الغائِبَ نَفسَه هو المِسطَرة.

«وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ»: فاعِلانِ في آيةٍ واحِدةٍ وواوٌ بَينَهُما

في الشَّطرِ الأوَّلِ فاعِلٌ يَقولُ «إنّا». وفي الشَّطرِ الثّاني فاعِلٌ مُسَمّىً بِاسمِه. وبَينَهُما واوٌ عاطِفةٌ لا غَير.

لَيسَ في الآيةِ «فـ» تُرَتِّب، ولا «لأنَّ» تُعَلِّل، ولا «حَتّى» تُغَيِّي. جُملَتانِ مَوصولَتانِ بِأخَفِّ حَرفٍ في اللُّغة، وكُلُّ ما وَراءَ ذلك لم يُقَل.

و«أَضَلَّ» على وَزنِ أفعَلَ، فهو تَعدِيةُ ض-ل-ل: امتِدادٌ يَذهَبُ فيه الشَّيءُ عن ذاتِه، كَما يَذهَبُ اللَّبَنُ في الماءِ فلا يُمَيَّز. والصِّيغةُ تَجعَلُ لِهذا الذَّهابِ حامِلاً من خارِج.

وسُمِّيَ الرَّجُلُ لِأنَّ الآيةَ سَمَّتْه. ولم تَقُلْ عنه شَيئاً آخَرَ ألبَتّة: لا أصلَ ولا صَنعةً ولا مَجيئاً ولا صِفة. والاسمُ حَدٌّ يَقِفُ عِندَه القارِئ، لا بابٌ يَدخُلُ مِنه.


حَصيلة

سُئِلَ عن عَجَلَتِه فأجابَ بِأنَّ قَومَه على أثَرِه، فجاءَ الرَّدُّ إلى القَومِ لا إلى العَجَلة. وصُدِّرَ بِـ«إنَّ» و«قَد» والماضي، فالأمرُ واقِعٌ خَلفَ المُتَكَلِّمِ لا مُنتَظَرٌ أمامَه. والفِتنةُ في ف-ت-ن ضَغطٌ يُفَتِّتُ حَتّى يَبرُزَ ما في الجَوف، وهو الجَذرُ الذي وَقَعَ على المُخاطَبِ وَحدَه في وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ ثُمَّ وَقَعَ هُنا على قَومِه. وأُضيفَتِ الجَماعةُ إلى الكافِ وأُضيفَ الزَّمانُ إلى الكاف، فصارَ الغائِبُ مِقياسَ الجَماعةِ ومِقياسَ الوَقتِ مَعاً. ثُمَّ فاعِلانِ في آيةٍ واحِدة: مُتَكَلِّمٌ يُخبِرُ عن فِتنَتِه، ورَجُلٌ مُسَمّىً أضَلَّ على وَزنِ أفعَلَ، وبَينَهُما واوٌ لا تُرَتِّبُ ولا تُعَلِّل. سَمّى النَّصُّ رَجُلاً ولم يَصِفْه، فالاسمُ حَدٌّ يُوقَفُ عِندَه لا بابٌ يُدخَلُ مِنه.