طه · الآية 87
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
اعتِذارٌ يُروى كما قيل
الآيةُ كُلُّها مَقولُ قَولٍ لِجَماعة. صُدِّرَت بِـ«قالوا» ثُمَّ حُكِيَ الكَلامُ إلى آخِرِه، ولم يُذَيَّلْ بِتَصديقٍ ولا بِتَكذيب.
فالمَنقولُ أنَّهُم قالوا هذا، لا أنَّ هذا كانَ كذلك. والفَرقُ بَينَ الأمرَينِ هو كُلُّ ما تَقولُه الآيةُ في صِدقِ العُذر.
«بِمَلْكِنَا»: نَفيُ المِلكِ لا نَفيُ الفِعل
رُدَّت عَلَيهِم كَلِمَتُهُم بِلَفظِها. قالَ لَهُم فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾، فقالوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾. الفِعلُ واحِدٌ والاسمُ واحِد، ولم يَتَبَدَّلْ إلّا الضَّمير.
ثُمَّ جاءَ القَيد: «بِمَلْكِنا». والمِلكُ في م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تُطبِقُ قابِضة، فالمُلكُ القَبضةُ المُحيطةُ والمِلكُ ما وَقَعَ فيها.
والباءُ باءُ المُلابَسة: لم يَقَعِ الخُلفُ ونَحنُ مُلابِسونَ لِقَبضةٍ عَلَيه. فالمَنفِيُّ إذاً لَيسَ وُقوعَ الخُلف، بل أن يَكونَ الأمرُ في قَبضَتِهِم حينَ وَقَع.
وهذا هو مَوضِعُ الاعتِذارِ كُلِّه: يُقِرُّونَ بِالحادِثةِ ويَنزِعونَ عنها القَبضة.
«حُمِّلْنَا»: صيغةٌ تَحذِفُ الفاعِل
لم يَقولوا «حَمَلنا» ولا «تَحَمَّلنا». قالوا «حُمِّلنا»، مَبنِيّاً لِلمَجهولِ على وَزنِ فُعِّلَ.
وفي الصّيغةِ أمرانِ مَعاً: تَضعيفُ العَينِ يُثَقِّلُ الحَملَ ويُكَثِّرُه، وبِناءُ المَجهولِ يَرفَعُ الحامِلَ من الجُملة. فالثِّقلُ مَذكورٌ ومَن وَضَعَه مَحذوف.
والجُملةُ التي قَبلَها بُنِيَت لِلفاعِلِ بِنونِ الجَماعةِ «أَخلَفنا»، والتي بَعدَها كذلك «فقَذَفناها». فبَينَ فِعلَينِ يُسنَدانِ إلَيهِم يَقَعُ فِعلٌ واحِدٌ لا يُسنَدُ إلى أحَد.
«أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ»: أثقَلُ كَلِمةٍ على أخَفِّ شَيء
الوِزرُ في و-ز-ر ثِقَلٌ يَلتَصِقُ بِحامِلِه ويَجري مَعَه فلا يُفارِقُه، ومنه الحِملُ الذي يَنوءُ بِه الكاهِل.
والزِّينةُ في ز-ي-ن جَريانٌ يَسري لَيِّناً على الظّاهِرِ فيَستَحسِنُه النّاظِر، وهي مُضافةٌ من خارِجِ الشَّيءِ لا نابِتةٌ فيه.
فوُضِعَت أثقَلُ كَلِمةٍ في البابِ على أخَفِّ ما يُملَك، ووُصِلَ بَينَهُما بِـ«مِن» التَّبعيضِيّة: أوزارٌ بَعضُها من زينة.
و«القَوم» هُنا بِـ«ال» لا بِضَميرِهِم. كانَت في الآيَتَينِ قَبلَها «قَومَكَ» ثُمَّ «قَومِهِ» ثُمَّ «يا قَومِ»، وهي هُنا بِلا إضافةٍ ألبَتّة. والزِّينةُ التي حُمِّلوها مَنسوبةٌ إلى جَماعةٍ لم يَقولوا إنَّها جَماعَتُهُم.
«فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ»: فِعلانِ لِلطَّرحِ وآخِرُهُما لِغَيرِهِم
القَذفُ في ق-ذ-ف إطلاقٌ قاطِعٌ يَنفُذُ حادّاً ثُمَّ يُفَرَّقُ ويُبعَد. وقد سَبَقَ هذا الجَذرُ في السّورةِ مَقروناً بِالإلقاءِ نَفسِه: فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ثُمَّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾. الفِعلانِ اجتَمَعا هُناكَ ويَجتَمِعانِ هُنا.
ثُمَّ يَنتَهي الكَلامُ إلى جُملةٍ لا نونَ فيها: «فكَذلِكَ ألقى السّامِرِيُّ». تَغَيَّرَ الفِعلُ وتَغَيَّرَ الفاعِل، وأُسنِدَ آخِرُ ما في الحِكايةِ إلى رَجُلٍ سِواهُم.
والكافُ في «كَذلِك» كافُ تَشبيه: على مِثلِ ما فَعَلنا. فالجُملةُ تَجعَلُ فِعلَه شَبيهاً بِفِعلِهِم ولا تَقولُ ماذا كان.
حَصيلة
الآيةُ مَقولُ قَولٍ من أوَّلِها إلى آخِرِها، تُروى كما قيلَت ولا يُحكَمُ على صِدقِها. رُدَّت الكَلِمةُ بِلَفظِها فصارَ «مَوعِدي» في فَمِهِ «مَوعِدَكَ» في أفواهِهِم، ثُمَّ جاءَ القَيدُ «بِمَلْكِنا»، والمِلكُ في م-ل-ك إحاطةٌ تَلتَئِمُ ثُمَّ تُطبِقُ قابِضة، والباءُ باءُ مُلابَسة. فالمَنفِيُّ أن يَكونَ الأمرُ في قَبضَتِهِم لا أن يَكونَ قد وَقَع. ثُمَّ «حُمِّلنا» على فُعِّلَ: تَضعيفٌ يُثَقِّلُ الحِملَ وبِناءٌ لِلمَجهولِ يَرفَعُ الحامِل، وهو الفِعلُ الوَحيدُ بَينَ فِعلَينِ مُسنَدَينِ إلَيهِم لا يُسنَدُ إلى أحَد. ثُمَّ أوزارٌ من و-ز-ر، وهو ثِقَلٌ يَلتَصِقُ بِحامِلِه ويَجري مَعَه، وُضِعَت على زينةٍ من ز-ي-ن، وهي جَريانٌ لَيِّنٌ على الظّاهِرِ يُضافُ من خارِج، ووُصِلَ بَينَهُما بِـ«مِن» التَّبعيضِيّة. و«القَوم» بِلا إضافةٍ بَعدَ ثَلاثِ إضافاتٍ مُتَتالِية. ثُمَّ قَذفٌ من ق-ذ-ف، وهو إطلاقٌ قاطِعٌ يُبعِد، وقد اجتَمَعَ مَعَ الإلقاءِ في هذه السّورةِ من قَبل. وآخِرُ الكَلامِ جُملةٌ بِلا نون: فِعلٌ آخَرُ وفاعِلٌ آخَرُ ورَجُلٌ يُسَمّى. عُذرٌ يُقِرُّ بِاليَدِ ويُنكِرُ القَبضة، وآخِرُ ما فيه مُسنَدٌ إلى سِواهُم.