البقرة · الآية 67

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ

أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً (ب ق ر)+(ذ ب ح): فَتحٌ عَلى فَتح، أَمرٌ جَذرُهُ الشَّقّ

والمَبدَأُ مِن جَذرَيِ المُفرَدَتَينِ الرَّئيسيَّتَينِ في الأَمر. فجَذرُ (ب ق ر) يَحمِلُ اتِّصالاً مُحكَماً يَسري ويَمتَدّ، إذ (ب) اتِّصالٌ وتَمَسُّك، و(ق) قَطعٌ وإحكام، و(ر) تَكرارٌ وجَريان، فالبَقرُ حَرفيّاً اتِّصالٌ مُحكَمٌ يَشُقُّ الأَرضَ شَقّاً مُتَواصِلاً، ومِنهُ بَقَرَ البَطنَ أَي شَقَّه، وسُمِّيَتِ البَقرةُ بِذَلِكَ لِأَنَّها تَشُقُّ الأَرضَ في الحَرث. وجَذرُ (ذ ب ح) يَحمِلُ نُفوذاً حادّاً يُخرِجُ ما في الباطِن، فـ(ذ) نَفاذٌ وحِدَّة، و(ب) اتِّصالٌ وتَمَسُّك، و(ح) حياةٌ حارّةٌ واحتِواء، والذَّبحُ حَرفيّاً فَتحُ الباطِنِ بِحِدَّةٍ لِإخراجِ ما فيه. ومِن هُنا كانَ الأَمرُ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ في بِنيَتِهِ الجَذريَّةِ أَمراً بِفَتحٍ عَلى فَتح، أَي: افتَحوا ما وَظيفَتُهُ فَتحُ الأَرضِ عادةً. وفي تَسميةِ السّورةِ بِـ«البَقرة» إشارةٌ إلى قِصَّةٍ داخِلَها، ومَعَها تَوصيفٌ جَذريٌّ لِدَورِها، فهي سورةٌ تَشُقُّ البَواطِنَ وتَكشِفُ ما فيها. والأَمرُ في ظاهِرِهِ حَيَوانٌ يُذبَح، وفي باطِنِهِ حادِثةٌ مَكتومةٌ سَيَفتَحُها هَذا الذَّبحُ نَفسُه.

«أَتَتَّخِذُنا هُزُواً» (ه ز أ) + «أَعوذُ بِاللهِ» (ع و ذ) + «مِنَ الجاهِلين» (ج ه ل): اهتِزازٌ، حِصنٌ، ومَوضِعُ القَدَم

وجَذرُ (ه ز أ) في أَصلِهِ تَفريغُ القيمةِ بِاندِفاعٍ مُهتَزّ، ولَيسَ هو السُّخريةَ التي يَشيعُ حَملُهُ عَلَيها، فـ(هـ) هَمسٌ وتَنَفُّس، و(ز) اندِفاعٌ واهتِزاز، و(ء) تَأكيدٌ وقَطع. فمَعنى قَولِهِم أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ حَرفيّاً: أَتُفَرِّغُنا مِن قيمَتِنا؟ ومَوقِعُ السُّؤالِ يَكشِفُ أَنَّهُم هُم مَن يُفَرِّغُ نَفسَهُ بِالتَّسويف، ثُمَّ نَسَبوا الفِعلَ إلى نَبيِّهِم. وأَجابَ موسى بِـأَعُوذُ بِاللَّهِ﴾، مِن جَذرِ (ع و ذ) الَّذي يَحمِلُ التِجاءً إلى حِصنٍ يَلتَفُّ حَولَ المُستَعيذِ ويَحميه، وعُدِلَ عَن «أَستَغفِرُ اللهَ» لِأَنَّ المَقامَ مَقامُ خَطَرٍ يُتَوَقَّى بِحِصن، ولَيسَ مَقامَ ذَنبٍ يُستَتَر. والأَدَقُّ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ أوثِرَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ مِن جَذرِ (ج ه ل) عَلى «مِنَ الهازِئين» و«مِنَ الكاذِبين». والجَهلُ في لُغةِ العَرَبِ غِيابُ مَعرِفةِ المَوضِع، وهو غَيرُ قِلَّةِ المَعلومة، فالجاهِلُ مَن لا يَعرِفُ أَينَ يَقِفُ، فيَتَّخِذُ الجِدَّ لَهواً. ومِن هَذِهِ الرُّتبةِ بِعَينِها يَستَعيذُ موسى، فاستِعاذَتُهُ مِن سوءِ الأَدَبِ مَعَ اللهِ في لَحظةِ تَلَقّي الأَمر، لا مِن نَقصِ العِلم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: البَقرةُ (ب ق ر) ما يَشُقُّ الأَرض، والذَّبحُ (ذ ب ح) فَتحُ الباطِنِ لِإخراجِ ما فيه، فالأَمرُ بِالجَمعِ بَينَهُما أَمرٌ بِفَتحٍ عَلى فَتحٍ يُخرِجُ الحَقَّ المَكتوم. والاستِهزاءُ (ه ز أ) تَفريغٌ لِلقيمة، والاستِعاذةُ (ع و ذ) حِصنٌ ضِدَّ ذَلِكَ التَّفريغ، والجَهلُ (ج ه ل) غِيابُ مَعرِفةِ المَوضِعِ لا قِلَّةُ العِلم. والحاصِلُ أَنَّ الدَّورَ المَطلوبَ مِنَ المُكَلَّفِ أَن يَمتَثِلَ لِلأَمرِ حينَ يَأتيهِ بَسيطاً فلا يُشَدِّد، وأَن يَعرِفَ مَوضِعَ قَدَمِهِ في المَقامِ فلا يَستَهزِئ.


حَصيلة

والأَمرُ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ في بِنيَتِهِ الجَذريَّةِ أَمرٌ بِفَتحٍ عَلى فَتح، إذ ب-ق-ر هُوَ الشَّقُّ المُحكَمُ المُتَواصِلُ الذي يَمتَدّ في الأَرض، وذ-ب-ح هُوَ النُّفوذُ الحادُّ الذي يُخرِجُ ما في الباطِن. ولِذَلِكَ سُمِّيَت سورةُ البَقَرةِ بِاسمِها تَوصيفاً جَذريّاً لِدَورِها، وهو أن تَشُقَّ البَواطِنَ وتُخرِجَ ما فيها، ولم تُسَمَّ بِهِ إشارةً إلى حَيَوان. والجَوابُ الأَوَّلُ «أتَتَّخِذُنا هُزُواً» من ه-ز-أ يَكشِفُ أنَّ القَومَ قَلَبوا الأَمرَ إلى استِخفافٍ يُفَرِّغُهُم من قيمَتِهِم، ولم يَتَلَقَّوهُ على مَحمَلِ الفَتح، وهُم بِذَلِكَ يَفعَلونَ بِأنفُسِهِم ما يَنسُبونَه إلى موسى. وكانَ رَدُّ موسى (موسى الذي قَرَأ دَورَهُ مُجَمِّعاً وحاملاً كَما يُشيرُ اسمُه في م-و-س-ى) مِن ع-و-ذ دونَ ت-و-ب، فلم يَستَغفِر، والتَجَأَ إلى حِصنٍ يَلتَفُّ حَولَ المُستَعيذ، والذي يَعتَصِمُ مِنه ج-ه-ل بِمَعناهُ الجَذريّ، أي غِيابُ مَعرِفةِ المَوضِع. وبِهَذا يَتَحَقَّقُ دَورُ السورةِ في فاتِحَةِ القِصَّة، والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، فالفَتحُ يَسبِقُ الطَّقس، والاعتِصامُ بِالحِصنِ يَسبِقُ الإجابةَ عَنِ الهُزء.