البقرة · الآية 65

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ

«السَّبت» (س ب ت): يَومُ الوُقوفِ الَّذي جُعِلَ عَلَيهِم فَلَزِمَهُم

جِذرُ (س ب ت) يَكشِفُ في «السَّبت»، وهو اسمُ يَوم، مَعنىً آخَرَ يَحمِلُه: (س) سَريانٌ ونَفاذ، و(ب) ظُهورٌ وخُروج، و(ت) ضَغطٌ وقَطع. فالسَّبتُ حَرفيّاً سَريانٌ يَظهَرُ ثُمَّ يُقطَعُ قَطعاً حادّاً، أي حَرَكةٌ تَتَوَقَّفُ فَجأةً بِحُكمِ الإطارِ الزَّمانيّ، ومِنه «سَبَتَ الشَّعرَ» أي حَلَقَه فقَطَعَ استِمرارَه. وتَقولُ آيةٌ أُخرى إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (١٦:١٢٤)، فالسَّبتُ في القُرآنِ يَومٌ جُعِلَ على فِئةٍ بَعدَ اختِلافِها، لا حُكمٌ مُنَزَّلٌ ابتِداءً. تُلزِمُهُمُ الآيةُ بِما اختَلَفوا فيه، فيَصيرُ مَوضِعُ اختِلافِهِم نَفسُه مَوضِعَ الحَدِّ المَفروضِ عَلَيهِم، وفي هذا تَرسيخٌ لِقاعِدةٍ جَذريّة، هي أَنَّ الحَدَّ المَفروضَ على جَماعةٍ يَنشَأُ في الغالِبِ من خِلافِها الباطِنيّ، لا من خارِجِها.

«اعتَدَوا في السَّبت» (ع د و): كَسرُ الوُقوف، إعادةُ السَّريانِ بِلا إذن

والاعتِداءُ من (ع د و)، ومادَّتُه مَوضوعةٌ على تَجاوُزِ الحَدّ: ظُهورٌ مِنَ العُمقِ (ع) يَحتَبِسُ (د) ثُمَّ يَحتَوي (و)، فإذا انفَلَتَ صارَ «اعتِداءً»، أي ظُهوراً خارِجَ الضَّبط. وفي «اعتَدَوا في السَّبت» دَقيقةٌ لَطيفة، هي أَنَّ النَّصَّ جاءَ دونَ «اعتَدَوا على السَّبت» بِـاعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾، والمَعنى أَنَّهُم كانوا داخِلَ الإطارِ الزَّمانيِّ نَفسِه، فكَسَروه من داخِلِه. وحَقيقةُ الاعتِداءِ في السَّبتِ أَنَّهُم أَعادوا السَّريانَ فيما أَوقَفَه الإطار: كَسَروا القَطعَ وأَعادوا الحَرَكةَ بِلا إذن. والفَرقُ بَينَ «فِي» و«عَلى» يَحمِلُ ما تَحمِلُه البِنية: ظاهِرٌ يَلتَزِمُ بِالحَدّ، وباطِنٌ يَكسِرُ سَريانَه من داخِلِه. والحَدُّ يُقاسُ بِالسَّريانِ الذي كانَ يَنبَغي أَن يَتَوَقَّف، ولا يُقاسُ بِالشَّكلِ الظّاهِر.

«كونوا قِرَدةً» (ق ر د)+(ك و ن): تَقليدٌ بِلا فَهم يَخرُجُ بِ«كُن» التَّكوينيَّة

ويَحمِلُ جِذرُ (ق ر د) قُوّةً عَميقةً (قر) تَحتَبِسُ فلا تَنطَلِقُ (د)، فالقِردُ في البِنيةِ الجَذريّةِ كائِنٌ يَحمِلُ قُوّةً مَحبوسةً لا يَستَطيعُ إطلاقَها إطلاقاً تَوليديّاً، فيَكتَفي بِالتَّقليد، يُحاكي الحَرَكةَ دونَ أَن يُدرِكَ مَعناها. ومِن هُنا تُقرَأُ «كونوا قِرَدةً» قِراءةً دَلاليّةً قَبلَ أَن تَكونَ حِسّيّة، فهي الحالةُ التي يَصيرُ فيها الإنسانُ مُكَرِّراً لِحَرَكاتِ دينِه بِلا فَهمٍ لِمَضمونِها، حاضِراً في شَكلِ التَّعَبُّدِ غائِباً عن مَعناه. والسِّياقُ هُنا يَرسُمُ هذه الحالةَ بِدِقّة: مَن يَحتالُ على حُدودِ العَهدِ ويَكسِرُ سَريانَ المَنعِ بِشَكلٍ لا يَخرِقُ الإطارَ ظاهِراً هو بِالضَّبطِ مَن يُحاكي الشَّكلَ بِلا فَهمِ المَعنى. ثُمَّ إنَّ «فَقُلنا لَهُم كونوا» هي «كُن» التَّكوينيّةُ كما في إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾، وليسَت أَمراً تَكليفيّاً يُستَجابُ أو يُرَدّ. والمُستَنتَجُ أَنَّ حالةَ «القِردِ» وَقَعَت فيهِم وُقوعاً يَستَوي فيه الدّاخِلُ والخارِج، لا يَحتاجُ إلى تَحَقُّقٍ حِسّيٍّ لِيَثبُت، وإن كانَت صورَتُه الحِسّيّةُ وارِدةً أَيضاً.

«خاسِئين» (خ س أ): طَردٌ نافِذٌ يُؤَكِّدُ الإبعاد

وجِذرُ (خ س أ) يَصِفُ نَوعاً مِنَ الإبعادِ لا يَقَعُ على الإنسانِ في اللُّغةِ إلّا نُزولاً بِه عن مَوقِعِ الكَرامة: (خ) تَخَلخُلٌ وفَراغ، و(س) نَفاذٌ بِدِقّة، و(ء) تَأكيدٌ قاطِع. و«خاسِئ» في لُغةِ العَرَبِ ما يُزجَرُ بِه الحَيَوانُ لِيُبعَدَ بِقَطع، أي طَردٌ نافِذٌ يُؤَكَّدُ مَعَه الإبعاد. ومِن هُنا جاءَت «خاسِئين» تَوأَماً لِـ«قِرَدة»، فإلى حَبسِ القُوّةِ حتّى تَصيرَ تَقليداً يُضافُ الإبعادُ عن مَوقِعِ الكَرامة. فالمُعتَدونَ نَزَلوا عن مَوقِعِهِم بِاختِيارِهِم، فكانَ الخُسوءُ أَثَراً لِنُزولِهِم: مَن رَضِيَ بِتَقليدِ الشَّكلِ بِلا مَعناه لا يَبقى في مَوقِعِ المُكَرَّم، ومَن كَسَرَ السَّريانَ الذي كانَ يَنبَغي أَن يَتَوَقَّفَ لا يُترَكُ على رُتبَتِه الأُولى.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: السَّبتُ (س ب ت) قَطعُ سَريانٍ جُعِلَ عَلَيهِم بَعدَ اختِلافِهِم فلَزِمَهُم، والاعتِداءُ (ع د و) كَسرٌ لِلوُقوفِ من داخِلِه لا من خارِجِه، والقِردُ (ق ر د) قُوّةٌ مَحبوسةٌ تُقَلِّدُ الشَّكلَ بِلا مَعنى، والخُسوءُ (خ س أ) طَردٌ نافِذٌ يُؤَكِّدُ الإبعادَ عن مَوقِعِ الكَرامة. والمُعتَدي يَصيرُ بِفِعلِ التَّقليدِ والتَّحايُلِ إلى ما عَكَسَه، ولا يَسقُطُ تَحتَ حُكمٍ خارِجيّ: فقد اختارَ الشَّكلَ دونَ المَعنى، فحَمَلَ صورةَ مَن يُحاكي بِلا فَهم، واختارَ كَسرَ الحَدِّ من داخِلِه، فحَمَلَ أَثَرَ مَن يُزجَرُ ويُبعَد.


حَصيلة

تُسَمّي الآيةُ الحادِثةَ بِوُضوح: قَومٌ تَجاوَزوا حَدَّ يَومِ الوُقوف، و(ع-د-و) التَّجاوُزُ إلى ما وَراءَ الحَدّ، و(س-ب-ت) مِنَ القَطعِ والوُقوف، ويَومُ السَّبتِ يَومُ انتِهاءِ العَمَلِ ووُقوفٍ عِندَ حَدٍّ مَرسوم. ولم يَكُنِ التَّجاوُزُ في ساعةِ جَهل: «وَلَقَد عَلِمتُم» تُقَرِّرُ أَنَّ المَعرِفةَ كانَت حاضِرة. فكانَتِ النَّتيجةُ مَشهَداً كاشِفاً: «كونوا قِرَدةً خاسِئين». و(ق-ر-د) الالتِصاقُ بِالشَّيءِ وتَقليدُه دونَ فَهم، و(خ-س-أ) الإزجارُ والإبعادُ كما يُزجَرُ الحَيَوان. والصّورةُ صورةُ حال: مَن يُكَرِّرُ الحَرَكةَ دونَ أَن يَفهَمَ مَعناها ويَخرُجُ عن حَدِّ الاتِّباعِ الحَقيقيّ يَتَحَوَّلُ في جَوهَرِه إلى مَن يُحاكي دونَ أَن يُدرِك. والخُروجُ عَنِ الحَدِّ مَعَ العِلمِ بِه أَشَدُّ وَطأةً مِنَ الخُروجِ عن جَهل، لأَنَّه يَكشِفُ أَنَّ المَعرِفةَ لم تَترُكْ أَثَراً في الإرادة.