البروج · الآية 5

﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ

«النار»: ظهورٌ حارّ يأكلُ ما يَمسّ

النارُ في أصلِها ظهورٌ حارّ. تُرى لأنها تُضيء، وتُخاف لأنها تأكل. في هذه الآية لا تأتي النارُ كصورةٍ بعيدة، بل كبدلٍ من الأخدود نفسه: الحفرةُ صارت تُعرَف بما فيها.

وهذا النقلُ من الحفرة إلى النار يُحوّل المكان إلى فعل. الأخدودُ وحدَه شقٌّ ساكن. فإذا قيل «النار» صار الشقُّ آلةَ إيلام. السورةُ لا تُطيلُ الوصف؛ كلمةٌ واحدةٌ تكفي لتُشعلَ المشهد.

«ذات الوقود»: ما يُبقي اللهبَ قائماً

«الوقود» من و-ق-د: اتّقادٌ يثبتُ ويُغذّى. ليس كلُّ نارٍ ذاتَ وقود؛ قد تومضُ وتَنطفئ. أمّا هذه، فلها ما يمدّها. اللفظُ يضعُ في الأذن صوتَ النار وهي لا تُتركُ لتموت.

و«ذات» هنا تُلازم كما لازمت في ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾. السماءُ ذاتُ بروج، والنارُ ذاتُ وقود. هناك علوٌّ يحملُ علاماتٍ بارزة، وهنا حفرةٌ تحملُ غذاءَ الاشتعال. الصفةُ تكشفُ صاحبَها.


حَصيلة

تَكشفُ هذه الآيةُ ما كان في الأخدود: ليست الحفرةُ شقّاً فارغاً في الأرض، بل هي النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ بدلٌ يُعرَّف به الأخدود. النارُ من -ن-و-ر- ظهورٌ حارّ يجري ويأكل ما يلامس. والوقودُ من -و-ق-د- هو ما يُثبّتُ الاتقادَ ويُمِدّه حتى يستمرّ؛ ليس كلُّ نارٍ ذاتَ وقود، فقد تومضُ ثمّ تخبو، أمّا هذه فلها ما يغذّيها. وتكرارُ «ذات» هنا ذو دلالة: السماءُ في مطلعِ السورة كانت ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ما تحملُه يُعرّفُها، وكذلك النارُ هنا تُعرَّفُ بما تحمل من وقود. فوقَ الرأس سماءٌ تحملُ علاماتٍ بارزة، وفي الأخدودِ نارٌ تحملُ ما يُبقيها. وصارَ الفعلُ منظَّماً لا عارضاً: شقٌّ في الأرض، نارٌ فيه، ومادةٌ تُغذّي اللهبَ. الأخدودُ جرحٌ في الأرض، والنارُ نَفَسُ ذلك الجرح، والوقودُ قرارُ إبقائه.