الغاشية · الآية 12

﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ

«فيها»: ظَرفٌ يَردُّ إلى مَوضِعٍ عالٍ سَبَقَ ذِكرُه

تَبدَأُ الآيةُ بِظَرفٍ يَعودُ على ما قَبلَه: «فيها»، أي في تِلكَ الجَنّةِ العاليَةِ التي وُصِفَت بها وُجوهٌ ناعِمَةٌ راضيَة. فالضَّميرُ يَربِطُ المَنظَرَ بِمَوضِعِه، ولا يَذكُرُ العَينَ في فَراغٍ بل في داخِلِ حَيِّزٍ مَوصوف. وتَقديمُ الظَّرفِ على المُبتَدأِ يَجعَلُ المَوضِعَ هو المَقصودَ أوّلاً: المَكانُ يَحوي، ثُمَّ يُذكَرُ ما فيه.

وهذا التَّقديمُ يَفتَحُ الصورةَ كأنَّ السامِعَ يُدخَلُ المَوضِعَ فيَرى ما يَستَقِرُّ فيه. «فيها» تُمسِكُ العَينَ داخِلَ الجَنّةِ، فلا تَكونُ العَينُ عابِرةً بل مُقيمَةً في حَيِّزٍ عالٍ مَرفوع. والذي تَأمَّلَ سياقَ السورةِ وَجَدَ هذا المَوضِعَ مُقابِلاً لِمَوضِعٍ آخَرَ ذُكِرَت فيه عَينٌ آنيَةٌ يُسقى منها أهلُ الكَبَد، فالظَّرفُ هنا يُثبِتُ أيَّ عَينٍ تَجري وفي أيِّ دار.

«عَينٌ»: نَبعٌ يَظهَرُ من عُمقٍ فيَسيلُ لَيِّناً

الجِذرُ ع-ي-ن يَدورُ على ظُهورٍ من عُمقٍ يَسيلُ لَيِّناً ويَرِنّ. ومنه العَينُ التي يَنبَعُ منها الماءُ من جَوفِ الأرض، والعَينُ الباصِرةُ التي يَطفو منها النَّظَرُ من غَورِ الرَّأس، وعَينُ الشَّيءِ ذاتُه القائِمةُ بِنَفسِها. والجامِعُ بَينَها كلِّها بُروزٌ من باطِنٍ إلى ظاهِرٍ في لِينٍ وسَيَلان.

فالعَينُ في الآيةِ نَبعٌ يَطلَعُ من جَوفِ المَوضِعِ لا يَنقَطِع، نُكِّرَت «عَينٌ» تَنويناً يُفيدُ في هذا المَقامِ تَعظيماً وإبهامَ سَعَةٍ: عَينٌ لا يُحيطُ بها وَصف. والنَّبعُ الذي يَظهَرُ من عُمقٍ يُناسِبُ دارَ النَّعيمِ: ماءٌ حاضِرٌ من نَفسِ المَوضِعِ، لا يُجلَبُ من خارِجٍ ولا يُنتَظَر.

«جاريَةٌ»: جَريانٌ مُتَّصِلٌ لا يَركُد

الجِذرُ ج-ر-ي يَدورُ على بُروزٍ من حَيِّزٍ يَتَكَرَّرُ مُلتَئِماً مُتَّصِلاً. فالجَريُ سَيرٌ مُطَّرِدٌ لا يَتَوَقَّف، والجاريَةُ الماءُ السائِلُ الذي يَمضي ولا يَأسَن. وَصفُ العَينِ بِأنَّها «جاريَةٌ» يَنفي عنها الرُّكودَ والنُّضوب: ماءٌ في حَرَكةٍ دائِمةٍ، حَيٌّ مُتَجَدِّد.

واجتِماعُ «عَينٌ» مع «جاريَةٌ» يَجمَعُ ظُهوراً من عُمقٍ مع سَيلانٍ مُتَّصِل: مَنبَعٌ لا يَجِفّ وجَريٌ لا يَنقَطِع. فالصورةُ نَعيمٌ قائِمٌ بِذاتِه، يَتَجَدَّدُ من داخِلِ المَوضِعِ نَفسِه، يُقابِلُ تَعَبَ الوُجوهِ العامِلةِ الناصِبةِ في الجانِبِ الآخَر.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِظَرفٍ «فيها» يَردُّ إلى الجَنّةِ العاليَةِ المَوصوفةِ قَبلُ، فيُمسِكُ العَينَ داخِلَ مَوضِعٍ مَرفوع. و«عَينٌ» من ع-ي-ن: نَبعٌ يَظهَرُ من عُمقٍ فيَسيلُ لَيِّناً ويَرِنّ، نُكِّرَت تَعظيماً وسَعَة. و«جاريَةٌ» من ج-ر-ي: بُروزٌ من حَيِّزٍ يَتَّصِلُ ولا يَركُد. فالآيةُ تُقيمُ في دارِ النَّعيمِ مَنبَعاً يَطلَعُ من نَفسِ المَوضِعِ ويَجري دائِماً لا يَجِفُّ ولا يَأسَن، نَعيماً مُتَجَدِّداً يُقابِلُ نَصَبَ الوُجوهِ العامِلةِ في الجانِبِ الآخَر.