الشمس · الآية 4

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا

«يَغشاها»: الكِساءُ المُتَواصِل

والفِعلُ «يَغشى» في العَرَبِيّةِ يَحمِلُ صورةَ ما يَنزِلُ على الشَّيءِ من فَوقِه فيَستُرُه استُراً تامّاً، ومِنه «الغاشِيَةُ» التي تَغشى النّاسَ بِهَولِها، ومِنه «أغشاه ثَوبَه» إذا ألبَسَه إيّاه فسَتَرَه. واللَّيلُ في الآيةِ يَفعَلُ هذا الفِعلَ بِالشَّمس، فيَنزِلُ عَلَيها كَكِساءٍ يَكسوها فيُخفيها عن العَين.

والصّيغةُ المُضارِعةُ تَجعَلُ الفِعلَ مَوصولاً بِزَمَنِه، وأوثِرَ «إذا يَغشاها»، وهو حَدَثٌ مُتَوَرِّط، على «إذ غَشِيَها»، وهو حَدَثٌ مُنتَهٍ، فما دامَتِ اللَّيلةُ قائِمةً فالفِعلُ مُستَمِرّ، كأنَّ السَّتيرَ يُجَدِّدُ نَفسَه في كُلِّ لَحظة، لا يَكتَفي بِما أدّى من سَترٍ في لَحظَتِه الأُولى.

الزَّوجُ المُكتَمِل: نَهارٌ يَكشِف، وليلٌ يَستُر

وتَبني السّورةُ في هذه الآياتِ الأربَعِ الأُولى هَيكَلاً مُكتَمِلاً: الشَّمسُ في فَرد، والقَمَرُ في فَردٍ مَوصولٍ بِها، ثُمَّ النَّهارُ واللَّيلُ في زَوجٍ يَتَناوَبانِ على الشَّمسِ بِفِعلَينِ مُتَضادَّين، جَلاءٍ ثُمَّ غِشيان. ويُعرَضُ الكَونُ على القارِئِ في حَرَكةٍ ثُنائِيّة، بَينَ ما يُكشَفُ وما يُستَر.

وهذا التَّناوُبُ نَفسُه سيَنتَقِلُ إلى ما هو أقرَبُ من الإنسان، وهو النَّفسُ نَفسُها، ففيها كَشفٌ وسَتر، وفيها فُجورٌ وتَقوى، وفيها زَكاةٌ ودَسّ، والكَونُ يُهَيِّئُ السّامِعَ لِيَسمَعَ عن نَفسِه ما يَسمَعُه عن الشَّمسِ والقَمَر.

ومَن يَنطِقُ «يَغشاها» يَجِدُ في فَمِه شَيئاً من سُقوطِ الكِساء: فالغَينُ تَنحَدِرُ في الحَلق، والشّينُ تَنفُذُ بَينَ الثَّنايا، ثُمَّ يَأتي المَدُّ في «شاها» فيَتَّسِعُ الفَمُ كما يَتَّسِعُ اللَّيلُ على الأرض.


حَصيلة

يُكمِلُ اللَّيلُ الزَّوجَ مَعَ النَّهار، وفِعلُه «يَغشاها» مُضارِعٌ مُستَمِرٌّ لا يَنتَهي ما دامَتِ اللَّيلةُ قائِمة، في مُقابَلةِ «جَلّاها» الماضي المُنتَهي. وأصلُ غ-ش-ي تَغطِيةٌ تَنزِلُ من فَوقِ الشَّيءِ فتَكسوه، والضَّميرُ «ها» مَوصولٌ إلى الشَّمس، فاللَّيلُ يَنزِلُ على الشَّمسِ كِساءً. واكتَمَلَت أربَعةُ أقسام: شَمسٌ وضُحاها، وقَمَرٌ يَتلوها، ونَهارٌ يَجلوها، ولَيلٌ يَغشاها، والكَونُ فيها مَنظومةٌ من كَشفٍ وسَتر، يُهَيِّئُ السّامِعَ لِيَسمَعَ عن نَفسٍ فيها من كُلٍّ نَصيب.