الإسراء · الآية 42

﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا

«قُل»: حُجّةٌ تُسَلَّمُ إلى ناقِلِها

تَفتَتِحُ الآيةُ بِأمرٍ لا بِخَبَر. «قُل»، ثُمَّ يَأتي الكَلامُ مَقولاً لا مُبتَدَأً.

والمُخاطَبُ يَحمِلُ الحُجّةَ ولا يَصنَعُها. هو مُبَلِّغُها لا صاحِبُها، وهذا يَنزِعُ عن الحِجاجِ صِفةَ الخُصومةِ الشَّخصِيّة. مَن قيلَ لَه «قُل» فلَيسَ في المَيدانِ خَصماً، بَل حامِلاً.

«لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ»: شَرطٌ يُفتَرَضُ لِيُختَبَر

«لَو» حَرفُ شَرطٍ لِما لم يَقَع. فالجُملةُ لا تُقَرِّرُ آلِهةً ولا تُنكِرُها ابتِداءً، بَل تَفتَرِضُها ثُمَّ تَمشي مَعَها إلى آخِرِها.

و«مَعَهُ» ظَرفُ مُصاحَبة. لم يُفتَرَضْ آلِهةٌ دُونَه ولا في مَعزِلٍ عنه، بَل آلِهةٌ في صُحبَتِه. والمَعِيّةُ هي مَوضِعُ الاختِبار: شَيئانِ في مَكانٍ واحِدٍ لا بُدَّ لَهُما من تَرتيب.

و«آلِهةٌ» نَكِرةٌ مَجموعة. والجِذرُ أ-ل-ه تَعَلُّقٌ مُؤَكَّدٌ يَنفُذُ حتّى يُفرِغَ ما تَعَلَّقَ به. فالإلهُ في أصلِ اللَّفظِ ما يُستَغرَقُ بِه القَلبُ لا ما يُوصَفُ بِقُدرة. ومَن كانَ اسمُه استِغراقاً فالجَمعُ فيه أوَّلُ التَّناقُض.

«كَمَا يَقُولُونَ»: المُقَدِّمةُ مَنقولةٌ عنهُم لا مُسَلَّمةٌ لَهُم

الكافُ لِلمُماثَلة، و«ما» مَصدَرِيّة. أي: على الصّورةِ التي يَقولونَها هُم.

فالحُجّةُ لا تُقيمُ الفَرضَ من عِندِها، بَل تَأخُذُه من أفواهِهِم كما هو. وهذا يَنقُلُ مَوضِعَ النِّزاعِ كُلَّه: لَيسَ المَطلوبُ إبطالَ قَولٍ من خارِجِه، بَل إجراءَ القَولِ حتّى يَنتَهيَ إلى ما لا يَرضَونَه.

والجِذرُ ق-و-ل إطلاقُ صَوتٍ مَوصولٍ يَمتَدُّ إلى سامِع. وهُم قائِلون، فقَولُهُم مَبسوطٌ بَينَ يَدَيه. ومَن أعارَ خَصمَه مُقَدِّمَتَه لم يَبقَ لِلخَصمِ ما يَنقُضُ به.

«إِذًا لَّابْتَغَوْا»: جَوابٌ يَقَعُ بِطَلَبٍ لا بِنِزاع

«إذاً» حَرفُ جَوابٍ وجَزاء، واللّامُ في «لَابتَغَوا» واقِعةٌ في جَوابِ «لَو». فالتَّرتيبُ مُحكَم: فَرضٌ ثُمَّ لازِمُه.

ولم يُقَلْ «لَقاتَلوه» ولا «لَغَلَبَ بَعضُهُم بَعضاً». قيلَ «لَابتَغَوا»: طَلَبوا. والابتِغاءُ على وَزنِ افتَعَلَ، وتاؤُه تُرجِعُ الفِعلَ إلى فاعِلِه: طَلَبٌ يَتَكَلَّفُه الطّالِبُ لِنَفسِه.

والجِذرُ ب-غ-ي تَمَسُّكٌ يَغورُ في الباطِنِ ثُمَّ يَمتَدُّ خارِجاً. فالطَّلَبُ يَبدَأُ حاجةً في الجَوفِ قَبلَ أن يَصيرَ خُطوةً في الأرض. ومَن طَلَبَ فقد أقَرَّ بِنَقصٍ فيه قَبلَ أن يَتَحَرَّك.

«إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا»: حَرفٌ واحِدٌ يُقيمُ الرُّتبة

الابتِغاءُ «إلى» لا «على» ولا «مِن». و«إلى» حَرفُ انتِهاءِ الغاية: الوَجهُ إلَيهِ، والحَرَكةُ نَحوَه.

وهُنا يَتِمُّ البُرهانُ بِلا صَوت. مَن طَلَبَ إلَيهِ سَبيلاً فهو دُونَه، والذي دُونَه لَيسَ مِثلَه، والذي لَيسَ مِثلَه لَيسَ إلهاً مَعه. الفَرضُ يَأكُلُ نَفسَه في حَرفِ جَرّ.

ولم يُسَمَّ المَقصودُ بِاسمٍ بَل بِمِلك: «ذي العَرش». والجِذرُ ع-ر-ش قَبضٌ مُتَماسِكٌ يُرفَعُ فيَنبَسِطُ فَوقَ ما تَحتَه، ومنه رَفعُ الكَرمِ على دِعامِه حتّى يَظَلَّ ما دُونَه. فالوَصفُ المُختارُ هو صاحِبُ ما فَوقَ الكُلّ، وإلَيهِ يُطلَبُ الطَّريقُ من تَحت.

و«سَبيلاً» نَكِرة. لم يُطلَبْ طَريقٌ مُعَيَّن، بَل أيُّ طَريق. والجِذرُ س-ب-ل جَريانٌ مُمتَدٌّ يَنفَتِحُ ويَنسابُ فيُسلَك. أدنى ما يُفتَرَضُ لِلشَّريكِ أن يَبحَثَ عن مَنفَذ، وذلك وَحدَه يَكفي لِإسقاطِ الشَّرِكة.


حَصيلة

أمرٌ يُسَلِّمُ الحُجّةَ إلى حامِلِها: «قُل». ثُمَّ «لَو» تَفتَرِضُ ما لم يَقَع، و«مَعَهُ» تَجعَلُ الفَرضَ مُصاحَبةً لا انفِصالاً، و«آلِهةٌ» جَمعٌ لِاسمٍ أصلُه في أ-ل-ه استِغراقُ التَّعَلُّق. و«كَما يَقولون» تَنقُلُ المُقَدِّمةَ من أفواهِهِم فلا يَبقى لَهُم أن يَقولوا أُخِذَت عَلَيهِم. ثُمَّ الجَوابُ لا يَذكُرُ حَرباً ولا غَلَبة، بَل طَلَباً: «لَابتَغَوا» على افتَعَلَ، وب-غ-ي حاجةٌ تَغورُ في الجَوفِ ثُمَّ تَخرُج. والحَرفُ الحاسِمُ «إلى»: الوَجهُ إلَيهِ لا عَلَيه. و«ذي العَرش» تَعريفٌ بِمِلكِ ما فَوقَ الكُلّ، و«سَبيلاً» نَكِرةٌ تُرَخِّصُ في أيِّ مَنفَذ. أُعطِيَ الخَصمُ فَرضَه كامِلاً فأخَذَه إلى آخِرِه، ومَن مَشى إلى غايةِ قَولِه بَلَغَ نَقضَه.