البقرة · الآية 163

﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ

وَإِلَٰهُكُمْ: واو الاستئناف وخطابٌ جمعيٌّ لكلّ من مرّ ذكرُه في السياق

تُفتَتَحُ الآيةُ بواوِ استئنافٍ غيرِ عاطفةٍ على ما قبلها، تُلَخِّصُ النَّتيجَةَ بعد أن أُحصِيَ المُستَحقّون للّعن والمتراجعون منهم والمُوَحِّدون والمُشرِكون. والإضافةُ في «إلهكم» إلى ضميرِ خطابٍ جمعيٍّ مفتوح تَستَوعِبُ كُلَّ من خوطب قبلَها: بني إسرائيل والمهتدين والكاتمين والتَّائبين والكفّار الماتين، فالآيةُ تَسوِيَةٌ للجميع على مرجعيّةٍ واحدة، وليست خطاباً لفِئةٍ بعينها. وجذر (أ ل هـ) يَجمَعُ التأكيدَ (أ) والتعلّقَ (ل) والانفتاحَ (هـ)، والمَعبودُ على هذا وجودٌ مؤكَّدٌ تَتَعَلَّقُ به القلوب وينفتِحُ على ما لا يُحدّ، وليس كياناً بين كيانات. فالضميرُ «كم» يَكشِفُ أنَّ كُلَّ قلبٍ يَتَعَلَّقُ حتماً بإله، ولا يُضيفُ الإلهَ إلى قوم، والسؤالُ فيه عن أيِّ إلهٍ يُتَعَلَّقُ به، وليس عن أن يكون للمرء إله.

إِلَٰهٌ وَاحِدٌ: التنوين والوصف، ووحدةُ الشمول لا وحدةُ العدد

جاء «إلهٌ» نكرةً منوَّنةً في موقع الخبر، وهو هنا أبلغُ من المعرفة، والتنوينُ فيه يَنفي أن يكون هناك صنفٌ اسمُه «آلهة» يَقَعُ فيه واحدٌ ويُمنَعُ منه آخرون، ويَصِفُ الجنسَ نفسَه بأنَّه لا يُستَوفى إلّا بفردٍ لا نَظيرَ له. و«واحد» صفةٌ لا خبرٌ آخر، والمعنى «الإلهُ الذي تَستَوفِي به حاجةَ الألوهيّةِ موصوفٌ بالوحدة»، دون «عدد آلهتكم واحد». وجذر (و ح د)، كما سبق تحليلُه، يُفيدُ الإحاطةَ المُحتَوِيةَ الثابتة: الواوُ وَصلٌ ورَبط، والحاءُ حياةٌ حارّةٌ واحتواء، والدالُ ضَبطٌ وثَبات. فالواحدُ في التوحيد صفةُ شمولٍ تَنفي وقوعَ التعدّد أصلاً، وليس عدداً يَقَعُ على سُلَّمٍ عدديٍّ يبدأ بواحدٍ ثمّ اثنين. ومن قال «الله واحد من ثلاثة» فَهِمَ الواحدَ عدداً، ومن قال «الواحدُ يَستَوعِبُ كُلَّ الألوهيّة» فَهِمَ الواحدَ وصفاً، والقرآنُ يُقرِّرُ الثانيَ لا الأوّل.

لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ: لا النافية للجنس واستثناءٌ بضميرِ الغَيبة لا باسمِ الذات

ويأتي بعد التقرير النفيُ والاستثناء، و«لا» هنا نافيةٌ للجنس تَبني اسمَها على الفتح، أي لا فردَ من جنس «إله» في الوجود قَطّ. ثمّ يأتي الاستثناءُ بـ«إلّا»، وهو استثناءٌ من كلامٍ موجَبٍ معنىً، تقديرُه: «كُلُّ ما سَمّاه الناسُ إلهاً باطل إلّا هو». ومحلُّ النظر أنَّ المُستَثنى ضميرُ الغَيبةِ «هو» دون اسمِ «الله»، والضميرُ هنا يُحيلُ إلى ذاتٍ لا تُحاطُ باسمٍ فضلاً عن صورة، فكأنَّ الآيةَ تقولُ إنَّ كُلَّ اسمٍ يُطلَقُ على المَعبود ينبغي أن يَرجِعَ إلى «هو» الذي لا يَعلَمُه على الحقيقة إلّا هو. وبهذا يَنتَقِلُ التوحيدُ من حَلبَةِ المُقارَنةِ بين أسماءٍ وصُوَرٍ إلى إشارةٍ إلى ذاتٍ مُتَعالِيةٍ يَصِفُها القرآنُ ولا يُحيطُ بها.

الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ: اقترانُ الاسمَين من جذرٍ واحد، فَعْلانُ السِّعة وفَعيلُ الدَّوام

والاسمان يَصدُران من جذر (ر ح م) نفسِه، وقد تقدَّم تحليلُه في آية 157: الراءُ تكرارٌ وجَريان، والحاءُ حياةٌ حارّةٌ واحتواء، والميمُ تجمّعٌ والتصاق، فالرَّحمةُ تَدَفُّقٌ حَيٌّ مُحتَوٍ يَلتَصِقُ بالمرحوم. ثمّ يَفتَرِقُ الاسمان على صيغتَين: «الرَّحمن» على وزن فَعلان، وهو وزنُ السَّعة والامتلاء (غَضبان، ظمآن، عَطشان، شَبعان)، فيُفيدُ الشمولَ الذي لا يَنفَد، و«الرَّحيم» على وزن فَعيل، وهو وزنُ الصِّفةِ المُشَبَّهة التي تَلزَمُ موصوفَها لُزوماً لا انقطاعَ له، فيُفيدُ الدَّوامَ والنُّفوذَ في التفاصيل. فكأنَّ الاسمَين يَصِفان بُعدَين للرَّحمة: رحمنٌ يَسَعُ الكُلَّ دون تخصيص، وهو السقفُ الأعلى للرَّحمة، ورحيمٌ يَنفُذُ إلى من أقبَلَ فيَلتَصِقُ به، وهو التخصيصُ بعد التعميم. ومَجيءُ الاسمَين بعد «لا إله إلّا هو» يَكشِفُ أنَّ الوحدانيّةَ وصفٌ لعلاقةِ الذاتِ بالعالم، زيادةً على أنّها تقرير: الواحدُ الذي يَسَعُ ويَلتَصِق.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الإله» وصفٌ للمُتَعَلَّقِ الذي يَستَوفي الألوهيّةَ بوحدةِ الشُّمول، وليس اسماً في قائمةِ آلهة. والواحديّةُ هنا صفةُ إحاطةٍ خالصةٍ ثابتةٍ وليست عدداً، تُوصَفُ ذاتُها بضميرِ غَيبةٍ لا تُحاطُ باسم، ثمّ تَتَجَلّى رحمةً تَسَعُ الكُلَّ (الرَّحمن) وتَنفُذُ في من أقبَل (الرَّحيم)، فمن وَحَّدَ بقلبِه وَحَّدَ رحمتَه، والعكسُ بالعكس.


حَصيلة

وبواوِ الاستِئنافِ يُختَمُ كُلُّ النِّقاشِ السابِقِ في عِبارَةٍ واحِدَة: وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾. والإلهُ (أ-ل-هـ) وَصفُ المُتَعَلَّقِ الذي يَستَوفي الألوهِيَّةَ بوَحدَةِ الشُّمول، وليس اسماً في قائِمَةِ آلِهَة، وجاءَ نَكِرَةً مُنَوَّناً لأنَّ التَّنوينَ يَنفي أن يَكونَ هُناك صِنفٌ اسمُه «آلِهَة» يَقَعُ فيه واحِدٌ ويُمنَعُ منه آخَرون. ثمَّ «واحِد» وَصفُ شُمولٍ لا عَدَدٌ على سُلَّمٍ عَدَدِيٍّ يَبدأُ بواحدٍ ثمَّ اثنَين، والواحِدُ في التَّوحيدِ إحاطَةٌ خالِصَةٌ ثابِتَةٌ (و-ح-د) تَنفي وقوعَ التَّعَدُّدِ أصلاً. ثمَّ يَأتي النَّفيُ والاستِثناءُ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، والمُستَثنى فيه ضَميرُ الغَيبَةِ «هو» دون اسمِ «الله»، إشارةً إلى ذاتٍ لا تُحاطُ باسم. والخِتامُ بالاسمَين الكريمَين يَكشِفُ أنَّ الإلهَ الواحِدَ يَتَجَلَّى رَحمَةً تَسَعُ الكُلَّ دون تَخصيصٍ (الرَّحمن على وَزنِ فَعلان للسَّعة)، ورَحمَةً تَنفُذُ إلى مَن أقبَلَ وتَلتَصِقُ به (الرَّحيمُ على وَزنِ فَعيلٍ للدَّوام)، ولا تَقِفُ الوَحدانِيَّةُ عِندَ التَّقرير، ومَن وَحَّدَ وُجهَتَه وَحَّدَ رَحمَتَه.