الإسراء · الآية 22

﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا

«لَّا تَجْعَلْ»: النَّهيُ واقِعٌ على الوَضعِ لا على الظَّنّ

عُدِلَ في النَّهيِ عن «لا تَعتَقِدْ» و«لا تَقُلْ» إلى «لا تَجْعَلْ»، والجَعلُ (ج-ع-ل) وَضعُ شَيءٍ في مَحَلٍّ يَلزَمُه، وهو فِعلٌ فيه يَدٌ تَضَعُ ومَوضِعٌ يَقبَل، فالمَنهِيُّ عنه صَنعةٌ لا خاطِرة.

وأوثِرَت «مَعَ» على «دُونَ»، فالآيةُ تَنهى عن ثانٍ يوضَعُ إلى جانِبِ الله، ولا تَنهى عن بَديلٍ يَحُلُّ مَحَلَّه. وهذا حَرفٌ يَحكُمُ على الآيةِ كُلِّها، فالخَطَرُ المُسَمّى هو المُصاحَبةُ دونَ الاستِبدال، ومَن أبقى الأوَّلَ في مَوضِعِه وأضافَ إلَيه فقد فَعَلَ ما نُهِيَ عنه بِنَصِّ الحَرف.

و«إِلَٰهًا آخَرَ» نَكِرة، لم يُسَمَّ فيها الثّاني ولم يُعَيَّنْ، فالنَّهيُ يَقَعُ على العَدَدِ لا على الاسم، ويَتَناوَلُ أيَّ ثانٍ يوضَع.

«فَتَقْعُدَ»: القُعودُ يُمتَحَنُ هُنا

والفاءُ فاءُ السَّبَبِيّةِ نَصَبَت، فالقُعودُ صادِرٌ عن الجَعل. وهُنا يوضَعُ ما قُرِئَ بِه الجَذرُ ق-ع-د على المِحَكّ: أهُوَ لُزومُ مَوضِعٍ بِثَباتٍ يَصدُرُ عنه شَيء، أم هو جِلسةُ العاجِزِ الذي لا يَقوم؟

والآيةُ تَحسِمُ ذلك بِثَلاث. الأولى أنَّه لا قِيامَ في الآيةِ يُقابَلُ بِقُعود، فلَيسَ فيها بَدَنٌ ولا هَيئةٌ ولا حَرَكةٌ تَتَوَقَّف، وإنَّما فيها فِعلٌ ونَتيجَتُه. والجِلسةُ لا تَكونُ نَتيجةَ وَضعِ إلهٍ ثانٍ، وأمّا لُزومُ المَوضِعِ فيَكون.

والثّانية أنَّ الوَصفَينِ بَعدَه اسمانِ لِلمَفعول: «مَذْمُومًا» يَقَعُ عَلَيه الذَّمّ، و«مَّخْذُولًا» يُترَكُ ولا يُنصَر، فلَو كانَ القُعودُ في نَفسِه هو العَجزَ لَكانَ «مَّخْذُولًا» فَضلةً لا تُفيد. وقد احتاجَتِ الآيةُ إلى لَفظٍ ثانٍ لِتَقولَ الخِذلان، فالفِعلُ إذَنْ لا يَحمِلُه.

والثّالِثة من داخِلِ السّورة، فالفِعلُ نَفسُه يَعودُ في المَقطَعِ بَعدَ سَبعِ آياتٍ مَنهِيّاً عن سَبَبٍ آخَرَ بِالمَرّة، هو يَدٌ تُبسَطُ كُلَّ البَسط، ويَنتَهي إلى فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾، فهُما سَبَبانِ لا يَجمَعُهُما جامِعٌ، ومُنتَهىً واحِدٌ بِلَفظِه. والفِعلُ الذي يَعني العَجزَ لا يَقبَلُ سَبَبَينِ مُتَباعِدَينِ هكذا، والفِعلُ الذي يَعني أنَّ صاحِبَه صارَ إلى قاعِدةٍ يَلزَمُها يَقبَلُهُما، ويَبقى لِكُلِّ سَبَبٍ وَصفاهُ يُبَيِّنانِ ما صَدَرَ عن قاعِدَتِه.

فالقِراءةُ تَصمُد، و«فَتَقْعُدَ» تُضيفُ إليها زِيادةً لا نَقضاً، وهي أنَّ مَن جَعَلَ صارَ هو نَفسُه قاعِدةً لِما جَعَل، والفِعلانِ فِعلٌ واحِدٌ في اتِّجاهَين: وَضعٌ يَخرُجُ من يَدِه، ثُمَّ وَضعٌ يَستَقِرُّ تَحتَه.

«مَذْمُومًا مَّخْذُولًا»: وَصفانِ يَجيئانِ من خارِج

والذَّمُّ (ذ-م-م) إخراجُ عَيبٍ من باطِنِه وإلصاقُه بِصاحِبِه فلا يُفارِقُه، والخِذلانُ (خ-ذ-ل) خُلُوُّ المَوضِعِ من ماسِكِه حتّى يَبقى صاحِبُه مُنفَرِداً مَكشوفاً. فالأوَّلُ شَيءٌ يُلصَقُ بِه، والثّاني شَيءٌ يُنزَعُ عنه، والمَخذولُ يَزيدُ ويَنقُصُ في آنٍ واحِد.

و«مَّخْذُولًا» لا يُقالُ إلّا لِمَن كانَ له ناصِرٌ يُمسِكُه، ولا يُخذَلُ مَن لم يَكُنْ في مَنَعة. فالوَصفُ الثّاني يُخبِرُ بِثَمَنِ الجَعل: ثانٍ وُضِعَ إلى جانِبِ الأوَّل، فأُفلِتَتِ اليَدُ التي كانَت مُمسِكة، وقد أضافَ واحِداً فخَسِرَ الذي كانَ مَعَه.

النَّهيُ يُسَوِّرُ المَقطَعَ ولا يَقِفُ هُنا

وهذا النَّهيُ بابُ مَقطَعٍ طَويل، وليسَ آيةً مُفرَدة، ويَعودُ بِحَرفِه عِندَ خَتمِ المَقطَعِ نَفسِه، فيُسَوِّرُ ما بَينَهُما تَسويراً، والجَوابُ هُناكَ أثقَل: لا يَبقى الفِعلُ فِعلَ صاحِبِه.

وبَينَ الطَّرَفَينِ ثالِثةٌ تُعيدُ «فَتَقْعُدَ» بِعَينِها، فالقارِئُ الواقِفُ هُنا لا يَرى إلّا أوَّلَ الحائِط، ولِهذا الحائِطِ نِهايةٌ بِاللَّفظِ نَفسِه وبِجَوابٍ أثقَل، وكُلُّ ما يَجيءُ بَينَ النَّهيَينِ مَقروءٌ داخِلَ سُورِهِما.


حَصيلة

النَّهيُ واقِعٌ على الجَعلِ لا على الظَّنّ، وعلى «مَعَ» لا على «دُونَ»، وعلى ثانٍ نَكِرةٍ لا على مَعبودٍ مُسَمّى، والمَنهِيُّ عنه يَدٌ تَضَعُ ما يُضافُ إلى جانِبِ ما هُوَ قائِم. ثُمَّ تُدخِلُ فاءُ السَّبَبِيّةِ الجَوابَ فِعلاً من ق-ع-د، ولا قِيامَ في الآيةِ يُقابِلُه ولا بَدَنَ يُوصَف، والوَصفانِ بَعدَه يَحمِلانِ العَجزَ وَحدَهُما فلا يَحمِلُه الفِعل، فالقُعودُ هُنا صَيرورةٌ إلى قاعِدةٍ تَلزَم، لا جِلسةُ مَن سَقَطَت قُوَّتُه. والقاعِدةُ التي صارَ إلَيها تُخبِرُ عن نَفسِها بِوَصفَين، أحَدُهُما يُلصَقُ بِه والآخَرُ يُنزَعُ عنه: عَيبٌ لا يُفارِقُه، ويَدٌ كانَت تُمسِكُه فأفلَتَت. ومَن وَضَعَ ثانِياً إلى جانِبِ الأوَّلِ فقد وَضَعَ نَفسَه أساساً لِما وَضَع.