طه · الآية 98
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ»: كَلِمةٌ تَجري في المَشهَدِ ثَلاثاً وتَتَغَيَّرُ إضافَتُها
قالَ القَومُ هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ﴾ فأشاروا إلى حاضِرٍ وأضافوهُ إلى أنفُسِهِم وإلى غائِب. ثُمَّ قيلَ لِواحِدٍ إِلَٰهِكَ﴾ بِكافِ المُفرَد. وتَقولُ هذه الآيةُ «إلهُكُم» ثالِثةً.
ثَلاثةُ مَواضِعَ لِكَلِمةٍ واحِدة، وفي كُلِّ مَوضِعٍ يَتَبَدَّلُ ما تُضافُ إلَيه. وفي المَوضِعِ الثّالِثِ وَحدَه يَقَعُ في الخَبَرِ اسم.
و«إنَّما» أداةُ حَصر: تُثبِتُ الحُكمَ لِواحِدٍ وتَرفَعُه عن كُلِّ ما سِواه. فلم تَقُلِ الآيةُ إنَّ ما قيلَ قَبلُ باطِل، بَل حَصَرَتِ الاسمَ في مَوضِعِه فارتَفَعَ ما عَداه بِنَفسِ الحَصر.
والإلهُ في أ-ل-ه تَعَلُّقٌ يَستَغرِقُ المُتَعَلِّقَ فلا يَسَعُ مَعَه غَيرُه. فالكَلِمةُ في أصلِها لا تَحتَمِلُ الشَّرِكةَ، والحَصرُ في الجُملةِ يُوافِقُ ما في بِنيَتِها.
«الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ»: نَفيُ جِنسٍ ثانٍ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين
«لا» هُنا نافِيةٌ لِلجِنس، تَعمَلُ في النَّكِرةِ بَعدَها فتَرفَعُ البابَ كُلَّه لا فَرداً مِنه.
وهذه ثانِيةُ نافِيَتَينِ لِلجِنسِ في سَطرَينِ مُتَجاوِرَين. كانَتِ الأُولى لَا مِسَاسَ﴾ فرَفَعَت أدنى ما يَقَعُ بَينَ جِسمَين، وهذه تَرفَعُ جِنسَ المَألوهِ كُلَّه.
ثُمَّ جاءَ الاستِثناءُ بِضَميرٍ مُنفَصِلٍ لا بِاسمٍ مُعاد. والضَّميرُ يَرُدُّ إلى ما تَقَدَّمَ في صَدرِ الآيةِ نَفسِها، فلا يَحتاجُ الخَبَرُ إلى تَسمِيةٍ ثانِية.
«وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا»: إحاطةٌ يُسَمّى جانِبُها
السَّعةُ في و-س-ع إحاطةٌ تَحتَوي ثُمَّ تَجري مُمتَدّةً فتَتَّسِعُ وتَظهَرُ من عُمقِها. والفِعلُ مُتَعَدٍّ هُنا بِنَفسِه إلى «كُلَّ شَيء».
و«كُلَّ شَيءٍ» نَكِرةٌ مُضافٌ إلَيها بَعدَ لَفظِ الاستِغراق، فلا يَخرُجُ عن الحُكمِ فَردٌ يُتَصَوَّر.
ثُمَّ «عِلْمًا» تَمييز: اسمٌ مَنصوبٌ يَرفَعُ الإبهامَ عن جِهةِ النِّسبة. فلم تَقُلِ الآيةُ «وَسِعَ كُلَّ شَيء» ثُمَّ تَقِف. سَمَّت الجانِبَ الذي مِنه وَقَعَتِ السَّعة.
والعِلمُ في ع-ل-م عَلامةٌ تَبرُزُ فتُمَيِّزُ الشَّيءَ ثُمَّ تَلزَمُ مَن أخَذَها، فهو إمساكُ الفارِقِ لا مُجَرَّدُ حُضورِ الخَبَر.
وهذا التَّمييزُ بِعَينِه يَعودُ في هذه السّورةِ مَنفِيّاً: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾. اسمٌ واحِدٌ في مَوقِعٍ نَحوِيٍّ واحِد، أُثبِتَت بِه الإحاطةُ هُنا ونُفِيَت بِه هُناك.
آيةٌ لا حِكايةَ فيها
يَنتَهي المَجلِسُ في السَّطرِ الذي قَبلَ هذا إلى تَحريقٍ ونَسف. ثُمَّ يَجيءُ هذا السَّطرُ فلا فِعلَ فيه لِأحَدٍ من أهلِ القِصّة.
لا سائِلٌ ولا مَسؤولٌ ولا قَومٌ ولا رَجُلٌ يُنادى. جُملةٌ اسمِيّةٌ مَحصورةٌ ثُمَّ صِلةٌ ثُمَّ خَبَرٌ بِفِعلٍ ماضٍ ومَفعولٍ مُستَغرِقٍ وتَمييز.
فالخُروجُ من الحِكايةِ يَقَعُ بِتَبديلِ نَوعِ الكَلامِ لا بِإعلانِ نِهايةٍ لَها.
حَصيلة
كَلِمةُ «إله» تَجري في هذا المَشهَدِ ثَلاثاً وتَتَبَدَّلُ إضافَتُها في كُلِّ مَوضِع: قالَها القَومُ عن حاضِرٍ أشاروا إلَيه، ثُمَّ قيلَت لِرَجُلٍ واحِدٍ بِكافِ المُفرَد، وتُقالُ هُنا ثالِثةً ويَقَعُ في خَبَرِها اسم. و«إنَّما» تَحصُر، والإلهُ في أ-ل-ه تَعَلُّقٌ يَستَغرِقُ فلا يَسَعُ مَعَه غَيرُه، فالحَصرُ في الجُملةِ يُوافِقُ ما في بِنيةِ الكَلِمة. ثُمَّ «لا» نافِيةٌ لِلجِنسِ تَرفَعُ البابَ كُلَّه، وهي ثانِيةُ نافِيَتَينِ لِلجِنسِ في سَطرَينِ مُتَجاوِرَين: رُفِعَ في الأولى أدنى ما يَقَعُ بَينَ جِسمَين، ويُرفَعُ في الثّانيةِ جِنسُ المَألوهِ كُلُّه. والاستِثناءُ بِضَميرٍ مُنفَصِلٍ يَرُدُّ إلى صَدرِ الآيةِ فلا يُعادُ الاسم. ثُمَّ سَعةٌ من و-س-ع، وهي إحاطةٌ تَحتَوي ثُمَّ تَجري مُمتَدّةً فتَظهَرُ من عُمقِها، مُتَعَدِّيةٌ إلى لَفظِ الاستِغراق. و«عِلْمًا» تَمييزٌ يَرفَعُ الإبهامَ عن جِهةِ النِّسبة، فسُمِّيَ الجانِبُ الذي مِنه وَقَعَتِ الإحاطةُ ولم تُترَكْ مُطلَقة. والعِلمُ في ع-ل-م عَلامةٌ تَبرُزُ فتُمَيِّزُ ثُمَّ تَلزَمُ مَن أخَذَها. وهذا التَّمييزُ بِعَينِه يَعودُ في السّورةِ مَنفِيّاً عن جَماعة، فاللَّفظُ واحِدٌ والمَوقِعُ واحِدٌ والإثباتُ والنَّفيُ يَتَقابَلان. وآخِرُ ما في السَّطرِ أنَّه لا فِعلَ فيه لِأحَدٍ من أهلِ القِصّة: خُرِجَ من الحِكايةِ بِتَبديلِ نَوعِ الكَلامِ لا بِإعلانِ نِهايَتِها.