طه · الآية 14
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ»: يَكتَمِلُ التَّعريفُ في ثَلاثِ دَرَجات
«إنَّني» بِالنّونِ تامّةً، وقَد جاءَت قَبلَ آيَتَينِ مُخَفَّفةً في إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. اللَّفظُ يَثقُلُ حَيثُ يَثقُلُ الخَبَر.
ثُمَّ «أنا» ثالِثَ مَرَّة، ثُمَّ الاسم. وتَتِمُّ بِذلك ثَلاثُ دَرَجاتٍ في ثَلاثِ آيات: نِسبةٌ أوَّلاً، ثُمَّ فِعلٌ وَقَعَ عَلَيه، ثُمَّ الاسم. عَرَفَ مَن يُكَلِّمُهُ على مَراحِلَ لا دَفعةً واحِدة.
«لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا»: العِبارةُ نَفسُها بِضَميرٍ آخَر
«لا» تَنفي الجِنسَ كُلَّه لا فَرداً مِنه. ثُمَّ يُستَثنى واحِد.
والجِذرُ أ-ل-ه قَصدٌ يَتَعَلَّقُ فيَحوزُ جِهةً، ثُمَّ يَنفَتِحُ على نَفَسٍ يَخرُجُ نَحوَ مَن يُقصَد. فالنَّفيُ يَقطَعُ هذا التَّعَلُّقَ عن كُلِّ جِهة، والاستِثناءُ يَحوزُهُ لِجِهةٍ واحِدة.
وهذه العِبارةُ قامَت في مَطلَعِ هذه السّورةِ بِضَميرِ الغائِب: لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾. وهي هُنا بِضَميرِ المُتَكَلِّم. اللَّفظُ واحِدٌ والفَرقُ مَن يَقولُه: قيلَ عَنه هُناكَ، ويَقولُهُ هُنا عن نَفسِهِ لِرَجُلٍ واقِفٍ يَسمَع.
«فَاعْبُدْنِي»: المَعبودُ يَبقى ضَميراً في الخِطاب
فاءٌ تُرَتِّبُ على الحَصر. حُصِرَتِ الجِهةُ ثُمَّ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيها.
والجِذرُ ع-ب-د ظُهورٌ من عُمقٍ يَتَّصِلُ ويَتَمَسَّكُ ثُمَّ يَنضَبِطُ ويَثبُت. ومنه «طَريقٌ مُعَبَّد» ذُلِّلَ بِكَثرةِ السَّيرِ عَلَيهِ حَتّى استَوى فلا يُعوِّقُ ماشِياً. فالعِبادةُ في الجِذرِ دَورٌ يَنضَبِطُ بِالتَّكرارِ ويَثبُت.
ولم يُقَلْ «فاعبُدِ اللهَ». قيلَ «فاعبُدني». المَفعولُ ياءٌ مُلتَصِقةٌ بِالفِعل. ما دامَ الكَلامُ مُواجَهةً فالمَعبودُ ضَميرٌ لا اسمٌ يُشارُ إلَيهِ من بَعيد.
«وَأَقِمِ الصَّلَاةَ»: إقامةٌ لا أداء
«أقامَ» على وَزنِ أفعَلَ من ق-و-م: جَعلُ الشَّيءِ قائِماً على قِوامِه. لَيسَ الأمرُ بِأن تُفعَلَ الصَّلاةُ بَل بِأن تُنصَب.
والجِذرُ ص-ل-و إمساكٌ صَلبٌ يَتَعَلَّقُ ويَحوزُ ثُمَّ يُوصَلُ وَصلاً مَمدوداً: رابِطةٌ مُحكَمةٌ تَشُدُّ طَرَفَينِ ولا تَنفَكّ. فالمَأمورُ بِإقامَتِهِ رِباطٌ لا حَرَكة.
«لِذِكْرِي»: اللّامُ تُعَلِّقُ القائِمَ بِشَيءٍ واحِد
لامٌ تُعَلِّلُ وتُعَلِّق. لِلإقامةِ ما تُعَلَّقُ بِه، والآيةُ تَذكُرُه ولا تَترُكُهُ لِلقارِئ.
والجِذرُ ذ-ك-ر نُفوذٌ حادٌّ يُكتَمُ في الباطِنِ ثُمَّ يُعادُ إلى الظّاهِر. فالذِّكرُ إخراجُ ما استُودِعَ لا استِقبالُ غَريب. والمُضافُ إلَيهِ ياءُ المُتَكَلِّم: ذِكرٌ لَهُ هو.
وهذا الأمرُ نَفسُه يَقومُ في المُصحَفِ مُعَلَّقاً بِغَيرِ هذا: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. صيغةٌ واحِدةٌ ولامٌ واحِدة، عُلِّقَت هُناكَ بِوَقتٍ وعُلِّقَت هُنا بِذِكر. يُذكَرُ التَّجاوُرُ ولا يُزادُ عَلَيه.
حَصيلة
نونٌ تامّةٌ بَعدَ مُخَفَّفة، وضَميرٌ ثالِثٌ يَتَقَدَّم، ثُمَّ الاسم. فتَمَّ التَّعريفُ في ثَلاثِ دَرَجات: نِسبةٌ، ثُمَّ اختِيارٌ وَقَع، ثُمَّ اسمٌ يُقال. ثُمَّ «لا» تَنفي الجِنسَ كُلَّه، وأ-ل-ه قَصدٌ يَتَعَلَّقُ فيَحوزُ جِهةً ويَنفَتِحُ نَفَساً نَحوَها، فقُطِعَ التَّعَلُّقُ عن كُلِّ جِهةٍ وحيزَ لِواحِدة، والعِبارةُ التي قيلَت في هذه السّورةِ بِضَميرِ الغائِبِ تُقالُ هُنا بِضَميرِ المُتَكَلِّمِ في مُواجَهة. ثُمَّ فاءٌ تُرَتِّبُ على الحَصر، وع-ب-د ظُهورٌ يَتَمَسَّكُ ثُمَّ يَنضَبِطُ ويَثبُت، والمَفعولُ ياءٌ لاصِقةٌ بِالفِعلِ لا اسمٌ بَعيد. ثُمَّ «أقِمْ» من ق-و-م نَصبُ الشَّيءِ على قِوامِه، وص-ل-و رابِطةٌ مُحكَمةٌ تَشُدُّ طَرَفَين. ثُمَّ لامٌ تُعَلِّقُ هذا القائِمَ بِذِكرٍ من ذ-ك-ر: إخراجُ المُستَودَعِ إلى الظّاهِر. أُقيمَتِ الرّابِطةُ لِيُخرَجَ ما استُودِع، وعُلِّقَت مَرَّةً بِما يَدورُ ومَرَّةً بِما يُستَحضَر.