طه · الآية 97

﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا

«فَاذْهَبْ»: أمرٌ بِلا مُنتَهىً مَذكور

الذَّهابُ في ذ-ه-ب مُضِيٌّ في فَراغٍ يَنتَهي إلى خُروجٍ عن المَوضِع. والصّيغةُ أمرٌ مُفرَدٌ بِفاءِ التَّعقيبِ على الجَوابِ الذي سَبَق.

وهذا الأمرُ بِعَينِه وَرَدَ في هذه السّورةِ من قَبل: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ﴾، فعُدِّيَ بِـ«إلى» ومُنتَهاهُ مُسَمّى.

وهو هُنا بِلا «إلى» وبِلا مُنتَهىً ألبَتّة. فِعلُ مُفارَقةٍ لا تُذكَرُ لَه جِهةٌ يُذهَبُ إلَيها.

«فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ»: عُقوبةٌ مَصنوعةٌ من كَلام

«لَكَ» جارٌّ ومَجرورٌ مُقَدَّمٌ في مَوضِعِ الخَبَر، واللّامُ لامُ الاختِصاص. فما بَعدَها شَيءٌ يُجعَلُ لَه ويُنسَبُ إلَيه.

والذي جُعِلَ لَه مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ من «أن» والفِعل: أَن تَقُولَ﴾. فالمَجعولُ لَه قَولٌ يَقولُه، لا ضَربٌ يَقَعُ بِه ولا مَنعٌ يُحالُ بَينَه وبَينَ شَيء.

ثُمَّ فِي الْحَيَاةِ﴾ بِـ«ال» وَحدَها. لا «هذه الحياةِ» ولا «الحياةِ الدُّنيا». تُرِكَ اللَّفظُ عارِياً من كُلِّ ما يُقَيِّدُه.

«لَا مِسَاسَ»: نَفيُ الجِنسِ في أدنى ما يَقَعُ بَينَ جِسمَين

المَسُّ في م-س-س تَلاقٍ خَفيفٌ يَسري على السَّطحِ ولا يَغمُر، ومنه «المَسيس» أدنى ما يَقَعُ بَينَ جِسمَين.

و«لا» هُنا نافِيةٌ لِلجِنس، تَعمَلُ في المَصدَرِ فتَرفَعُ البابَ كُلَّه لا فَرداً مِنه.

ورُفِعَ أدنى ما في البابِ لا أعلاه. ومَن رُفِعَ عنه الأدنى ارتَفَعَ عنه ما فَوقَه بِلا ذِكر: هذا كَمالُ الحُكمِ في كَلِمَتَين.

«وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ»: الكَلِمةُ التي فُتِحَ بِها المَجلِسُ تُغلَقُ بِها

«لَكَ» ثانِيةً، فالمَجعولُ لَه اثنان: قَولٌ يَقولُه ومَوعِدٌ يَنتَظِرُه.

وقد جَرَت هذه المادّةُ في هذا المَجلِسِ ثَلاثاً. قيلَ لِلقَومِ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي﴾، فقالوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾، ويُقالُ هُنا لِواحِدٍ إنَّ لَه مَوعِداً لا يُخلَفُ بِه.

والخُلفُ في خ-ل-ف فُرجةٌ تَمتَدُّ بَينَ اثنَينِ فتُبعِدُ أحَدَهُما عن الآخَر. وقد بُنِيَ الفِعلُ هُنا لِلمَجهولِ ونُفِيَ بِـ«لَن»، فلا فُرجةَ في هذا المَوعِدِ ولا يُذكَرُ مَن يَقومُ بِه.

«وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا»: ضَميرانِ يَنتَقِلانِ من جَمعٍ إلى مُفرَد

قالَ القَومُ في هذا المَجلِس هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ﴾ بِكافِ الجَماعة. وتَقولُ الآيةُ الآنَ «إلهِكَ» بِكافِ المُفرَد. اللَّفظُ واحِدٌ والإضافةُ انتَقَلَت من الكَثيرِ إلى الواحِد.

وقالَ القَومُ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ بِصيغةِ الجَمع. ويُقالُ هُنا ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ بِصيغةِ المُفرَد. الحَرفُ واحِدٌ والاسمُ واحِدٌ والعَدَدُ اثنان.

و«ظَلَّ» في ظ-ل-ل إطباقٌ غاشٍ يَتَعَلَّقُ بِما تَحتَه ويَدومُ عَلَيه، ومنه «ظَلَّ يَفعَلُ» دامَ عَلَيه نَهارَه. وحُذِفَت إحدى اللّامَينِ في الرَّسمِ فكُتِبَت «ظَلْتَ»، والرَّسمُ هو الرَّسمُ ويُقرَأُ كما هو.

«لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا»: فِعلانِ مُؤَكَّدانِ و«ثُمَّ» بَينَهُما

كِلا الفِعلَينِ بِلامٍ ونونِ تَوكيدٍ ثَقيلة. لَيسَ في العَرَبِيّةِ ما هو أشَدُّ من هذا في تَوكيدِ الوَعد.

وبَينَهُما «ثُمَّ» لا واو. فالثّاني بَعدَ الأوَّلِ لا مَعَه، والتَّرتيبُ مَنطوقٌ لا مُقَدَّر.

والتَّحريقُ في ح-ر-ق حَرارةٌ مَحصورةٌ تَجري فتَقطَعُ بِنيةَ ما مَرَّت بِه، وجاءَ على وَزنِ فَعَّلَ لِلتَّكثير. والنَّسفُ في ن-س-ف انبِعاثٌ يَجري مُمتَدّاً ثُمَّ تُفَرَّقُ أجزاؤُه وتُبعَد، ومنه «المِنسَف» ما يُذَرّى بِه فيَنفَصِلُ اللُّبُّ من القِشر.

و«نَسْفًا» مَصدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعلِه. وهذا البِناءُ نَفسُه فِعلاً ومَصدَراً يَقَعُ في هذه السّورةِ على الجِبال: يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾. الجَذرُ واحِدٌ والصّيغةُ واحِدةٌ والمَحَلّانِ مُختَلِفان.

وفِي الْيَمِّ﴾ هو اللَّفظُ نَفسُه الذي جَرى في هذه السّورةِ مَرَّتَينِ من قَبل: فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ثُمَّ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ ولَفظٌ واحِد، ويُذكَرُ التَّجاوُرُ ولا يُوصَفُ مَوضِعٌ ولا يُعَيَّن.


حَصيلة

أمرٌ بِالمُفارَقةِ من ذ-ه-ب، وهو مُضِيٌّ في فَراغٍ يَنتَهي إلى خُروجٍ عن المَوضِع، جاءَ هُنا بِلا «إلى» وبِلا مُنتَهىً مَذكور، وقد وَرَدَ في هذه السّورةِ من قَبلُ مُعَدّىً إلى مُسَمّىً بِعَينِه. ثُمَّ «لَكَ» مَرَّتَينِ بِلامِ الاختِصاص: جُعِلَ لَه قَولٌ يَقولُه ومَوعِدٌ يَنتَظِرُه. والأوَّلُ مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ من «أن» والفِعل، فالعُقوبةُ مَصنوعةٌ من كَلامٍ لا من بَدَن، و«في الحَياة» بِـ«ال» وَحدَها بِلا وَصفٍ يُقَيِّدُها. و«لا مِساسَ» نَفيٌ لِلجِنسِ في م-س-س، وهو تَلاقٍ خَفيفٌ يَسري على السَّطحِ ولا يَغمُر، فرُفِعَ أدنى ما في البابِ فارتَفَعَ ما فَوقَه بِلا ذِكر. والثّاني مَوعِدٌ لا يُخلَفُ بِه، وهي مادّةُ خ-ل-ف التي جَرَت في هذا المَجلِسِ ثَلاثاً: تُهمةٌ فرَدٌّ عَلَيها فوَعدٌ لا فُرجةَ فيه، والفِعلُ هُنا مَبنيٌّ لِلمَجهولٍ مَنفيٌّ بِـ«لَن». ثُمَّ يَنتَقِلُ الضَّميرانِ من جَمعٍ إلى مُفرَد: «إلهُكُم» صارَت «إلهِكَ»، و«عاكِفين» صارَت «عاكِفًا»، والحَرفُ «عَلَيه» واحِدٌ في المَوضِعَين. و«ظَلْتَ» من ظ-ل-ل إطباقٌ غاشٍ يَتَعَلَّقُ ويَدوم، حُذِفَت إحدى لامَيهِ في الرَّسمِ ويُقرَأُ كما رُسِم. ويُختَمُ بِفِعلَينِ بِلامٍ ونونِ تَوكيدٍ ثَقيلةٍ بَينَهُما «ثُمَّ» لا واو، فالثّاني بَعدَ الأوَّلِ لا مَعَه: تَحريقٌ من ح-ر-ق على وَزنِ التَّكثير، ثُمَّ نَسفٌ من ن-س-ف تَفريقٌ يُبعِدُ الأجزاء، مَعَ مَصدَرِه المُؤَكِّد. وهو البِناءُ الذي تَأخُذُه الجِبالُ في هذه السّورةِ بِفِعلِه ومَصدَرِه، واليَمُّ هو اليَمُّ الذي جَرى فيها مَرَّتَينِ من قَبل.