البقرة · الآية 100

﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

(ع ه د)+«كُلَّما»: بِنيَةُ النَّبذ المُتَكَرِّر

«كُلَّما» أداةُ تَكرارٍ مُطلَق: كُلَّما وَقَعَ الأَوَّلُ وَقَعَ الثَّاني. وبِهَذا يَتَحَوَّلُ النَّقضُ من حادثَةٍ إلى بِنيَة: عَهدٌ يُبرَمُ، ثُمَّ فَريقٌ يَنبُذ، ثُمَّ عَهدٌ جَديدٌ يُبرَم، ثُمَّ نَبذٌ جَديد. والسَّبَبُ في الآيَة: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي لَم يَستَقِرَّ الأَمان في المَوقِعِ الذي يُبرَمُ فيه العَقد. فَالعَهدُ ثَبَتَ في الوَرَق، ولَم يَثبُت في الأَرضِ التَحتِيَّة، فَلا يُلزِم.

(ن ب ذ)+«نَبَذَهُ فَريق»: إخراجٌ بِحِدَّةٍ لا جَحدٌ مُعلَن

«نَبَذ» من (ن ب ذ): نَواتُها نب (نُفوذٌ يَبرُزُ من الباطِن) والذَّالُ شَحنَةُ نَفاذٍ حادّ. فَالنَّبذُ إخراجٌ مَعَ قَذف، لا جَحدٌ يُقالُ بِالكَلام. والعَهدُ في مَوقِعِهِ أمامَ الوَجه: يُرعَى ويُنفَّذ، فإذا نُبِذَ خَرَجَ من ساحَةِ العَمَلِ وإن بَقِيَ في الذِّمَّة. وصيغَةُ «نَبَذَهُ فَريقٌ مِنهُم» تَحصُرُ الفِعلَ في فِئَةٍ تَنقُض، بَينَما بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تَكشِفُ أنَّ النَّبذَ سُلوكٌ يَصدُرُ عَن خَلَلٍ في الأَمانِ لا عَن جَهلٍ بِالعَهد.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «كُلَّما» تَجعَلُ النَّقضَ بِنيَةً مُتَكَرِّرَةً لا حادثَةً فَردِيَّة، و«نَبَذَهُ» يَجعَلُهُ إخراجاً بِالفِعلِ لا جَحداً بِالكَلام، و«بَلْ أَكثَرُهُم لا يُؤمِنون» يَرُدُّ هَذا كُلَّهُ إلى أَصلِه: أَمانٌ لَم يَستَقِرَّ في المَوضِعِ الذي يُبرَمُ مِنهُ العَهد.


حَصيلة

يَكشِفُ الجَذرُ (ع-ه-د) مَعَ «كُلَّما» أنَّ المَسأَلَةَ ليسَت حادثَةَ نَقضٍ واحِدَةً بَل بِنيَةٌ مُتَكَرِّرَة: عَهدٌ يُبرَمُ ثُمَّ يُنبَذ ثُمَّ عَهدٌ آخَر، وفي كُلِّ مَرَّةٍ يَكشِفُ النَّبذُ أنَّ الأَرضَ التَحتِيَّةَ للالتِزامِ لَم تَستَقِرّ. والجَذرُ (ن-ب-ذ) يُحَدِّدُ طَريقَةَ الإخراج: رَميٌ بِحِدَّةٍ من الداخِلِ لا رَفضٌ مُعلَنٌ بِالكَلام، فَالعَهدُ يَبقى في الذِّمَّةِ لَكِنَّه يَخرُجُ من ساحَةِ العَمَل. وصيغَةُ «نَبَذَهُ فَريقٌ مِنهُم» تَحصُرُ الفِعلَ في فِئَةٍ تَنقُض، لَكِنَّ الخاتِمَةَ «بَلْ أَكثَرُهُم لا يُؤمِنون» هيَ التَّشخيصُ الأَعمَق: النَّبذُ أَثَرٌ وليسَ أَصلاً، والأَصلُ أنَّ الأَمانَ لَم يَستَقِرَّ في المَوضِعِ الذي يُبرَمُ مِنهُ العَهد.