البقرة · الآية 101

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

(ص د ق)+«مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُم»: الرِّسالَةُ تُلزِمُ بِالكِتابِ القَديم

«مُصَدِّقٌ» مَوضِعُ الثِّقَل في الآيَة. الرَّسولُ لَم يَأتِ بِنَسخٍ، بَل بِتَثبيتِ ما مَعَهُم. وهُنا تَكمُنُ المَزلَقَة: من اعتَرَفَ بِالمُصَدِّقِ لَزِمَه الاعتِرافُ بِالمُصَدَّق، لأنَّ التَّصديقَ إثباتٌ لِلصِّلَة. فَكانَ الحَلُّ الاجتِماعيُّ عِندَهُم أن يَنبِذوا الاثنَين مَعاً: يَرفُضوا الرَّسول، ويَرموا كِتابَهُم وَراءَ ظُهورِهِم، حَتّى لا يَبقى نَصٌّ يُلزِمُهُم بِما يَأتي.

«وَراءَ ظُهورِهِم»: مَوضِعٌ يَحذِفُ الشَّيءَ من حَيِّزِ المَمَل

المَوضِعُ الحَرفيُّ لِلكِتابِ أمامَ الوَجه: يُقرَأ، يُتأَمَّل، ويُعمَلُ به. حينَ يُرمى وَراءَ الظَّهر، يَبقى مَوجوداً كَشَيءٍ، لَكِنَّه يَخرُجُ من دائرَةِ التَّوجيه. أُؤَكِّدُ أنَّ هَذا التَّعبيرَ ليسَ صورَةً أَدَبيَّة، بَل تَوصيفٌ لِبِنيَةِ العَلاقَةِ بِالنَّصّ: نَحتَفِظُ بِه عَلى المَكتَبَة، في الاحتِرامِ اللَّفظيّ، لَكِنَّه لا يُدخَلُ في الحُكم. يُصبِحُ تُراثاً مَحفوظاً لا مَرجِعاً عامِلاً.

«كَأَنَّهُم لا يَعلَمون»: أداءُ الجَهلِ لا الجَهل

حَرفُ التَّشبيه «كَأنَّ» هُنا حاسِمٌ: ليسَ «لا يَعلَمون»، بَل «كأنَّهُم لا يَعلَمون». فَالعِلمُ مَوجود، والسُّلوكُ مَصنوعٌ عَلى طَريقَةِ الذي لا يَعلَم. وهَذا تَشخيصٌ اجتِماعيٌّ دَقيق: لا نُواجِهُ هُنا جَماعَةً جاهِلَةً تَحتاجُ مَعلومَة، بَل جَماعَةً عالِمَةً تَحتاجُ إلى إزاحَةِ العِلمِ الذي تَعلَمُه كَي يَستَقِرَّ الوَضعُ القائم. والعِلمُ الذي يُنبَذُ أَشَدُّ جُرماً من العِلمِ الذي يُجهَل.

فالمُصَدِّقُ حُجَّةٌ عَلى أهلِ المُصَدَّق، ونَبذُ الكِتابِ وَراءَ الظَّهرِ حِيلَةٌ لِإخراجِه من حَيِّزِ العَمَلِ مَعَ الاحتِفاظِ بِه شَكلاً، و«كأنَّهُم لا يَعلَمون» أداءٌ مُتَعَمَّدٌ لِجَهلٍ غَيرِ قائم.


حَصيلة

تَبدأُ الآيةُ بِمَشهَدٍ مُكَثَّف: رَسولٌ قادِمٌ مِن عِندِ اللهِ يَحمِلُ في يَدِهِ ما يُثَبِّتُ كِتابَهُم، و«مُصَدِّقٌ» من الجَذرِ (ص-د-ق) ليسَ مَدحاً عابِراً بَل مَنطِقٌ مُلزِم: مَن اعتَرَفَ بِالمُصَدَّقِ القَديمِ لَزِمَهُ الاعتِرافُ بِالمُصَدِّقِ الجَديدِ لأنَّ التَّصديقَ إثباتٌ لِلصِّلَة بَينَهُما. والحَلُّ الذي وَجَدَه الفَريقُ الرّافِضُ كانَ أن يَنبُذَ الاثنَينِ مَعاً: الجَذرُ (ن-ب-ذ) يُحَدِّدُ أنَّ المَنبوذَ قُذِفَ بِحِدَّةٍ لا رُدَّ بِهُدوء، وقُذِفَ «وَراءَ الظُّهور» بِالتَّحديد: المَوضِعُ الذي لا يَراهُ صاحِبُهُ ولا يَضغَطُ عَلَيهِ في قَراراتِهِ اليَومِيَّة. والكِتابُ القَديمُ لَم يُجحَد عَلانيَةً لأنَّ الجَماعَةَ لا تَسمَحُ بِذَلِك، لَكِنَّهُ خَرَجَ من ساحَةِ التَّوجيهِ وبَقِيَ في ساحَةِ الشَّعائِر. وتَختِمُ الآيةُ بِـ«كَأنَّهُم لا يَعلَمون»، وحَرفُ التَّشبيهِ «كَأنَّ» هُوَ المِفصَل: لَيسَ جَهلاً بَل أداءُ جَهلٍ مُصنوعٌ لِلاستِعفاءِ من ما يَعلَمونَهُ حَقّاً.