البقرة · الآية 99

﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ

(ب ي ن)+«آياتٍ بَيِّنات»: الآيَةُ التي تُضيءُ من داخِلِها

«بَيِّنة» من (ب ي ن)، ومَعناها الفَصلُ الذي يُضيءُ فاصِلَه، وهي إضاءةٌ ذاتِيّةٌ لِلحَدِّ بَينَ شَيئَين، وليسَت وُضوحاً مَنقولاً إلَيها من خارِج. والآياتُ المُنَزَّلةُ إلَيكَ مَوصوفةٌ بِهذا الوَصف، فهي تَفصِلُ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ وتُضيءُ فَصلَها. ورَدُّها إذَن ليسَ نَتيجةَ ظُلمة، لأنَّ الآيةَ ذاتَها ضَوء، فلا بُدَّ أن يَكونَ الرَّدُّ من مَوضِعٍ آخَر.

(ف س ق): الخُروجُ عَنِ المَسارِ يَسبِقُ الكُفرَ بِالبَيِّنَة

وأصلُ (ف س ق) في اللُّغةِ خُروجُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه الأصلِيّ، ومِنه فَسَقَتِ الرُّطَبةُ، أي خَرَجَت من قِشرَتِها. والمُؤَكَّدُ أنَّ هذا الخُروجَ مَوقِعٌ وُجودِيٌّ، فَضلاً عن كَونِه تَصَرُّفاً أخلاقِيّاً. والفاسِقُ هُنا مَنِ استَقَرَّ في مَوقِعٍ خارِجَ مَسارِه، وهو غَيرُ مُرتَكِبِ الخَطيئةِ العابِرة، ومن هذا المَوقِعِ الخارِجِيِّ تَبدو البَيِّنةُ تَهديداً يُعيدُه إلى مَسارِه، فيُضطَرُّ إلى تَغطِيَتِها لِيَبقى في مَوضِعِه الجَديد.

تَرتيبُ الآيَة: سَبَبٌ قَبلَ أَثَر، لا تَعدادٌ لِصِفات

وفي قَولِه وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ حَصرٌ وتَعليل، والحَصرُ أنْ لا أحَدَ يَكفُرُ بِها إلّا هذا الصِّنف، والتَّعليلُ أنَّ مَن بَقِيَ في مَوضِعِه المُستَقيمِ تُسعِفُه البَيِّنةُ ولا تُهَدِّدُه، فلا حاجةَ بِه إلى تَغطِيَتِها. فالكُفرُ بِالبَيِّنةِ أثَرٌ لاحِقٌ لِلفِسق، لا سَبَبٌ مُستَقِلّ، ومن هُنا يَنقَلِبُ التَّشخيص: الكُفرُ لا يُعالَجُ بِكَثرةِ الدَّليل، والذي يُعالَجُ هو الفِسقُ بِإعادةِ المَوضِع.

فالبَيِّنَةُ تُضيءُ من داخِلِها، فرَدُّها يَكونُ من جِهةِ المَوضِع، لا من جِهةِ المَعرِفة، والفِسقُ خُروجٌ سابِقٌ يُحَوِّلُ البَيِّنَةَ إلى تَهديدٍ يَجِبُ تَغطيَتُه.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ أوَّلاً وَصفَ الآياتِ نَفسِها: «بَيِّنات» من الجَذرِ (ب-ي-ن)، أي ما يَظهَرُ ظُهوراً يَفصِلُ ويُضيءُ فَصلَه من داخِل، لا ما يَحتاجُ شَرحاً من خارِج. فرَدُّ آيةٍ بَيِّنةٍ لا يُفَسَّرُ بِقُصورٍ مَعرِفِيّ، لأنَّ الضَّوءَ مَوجودٌ في الآيةِ ذاتِها. والجَذرُ (ف-س-ق) يُحَدِّدُ المَوضِعَ الذي يَصدُرُ مِنه الرَّدّ، والفُسوقُ في أصلِه الخُروجُ عن المَسارِ حَتّى يَستَقِرَّ الإنسانُ في مَوضِعٍ خارِج، ومن هذا المَوضِعِ الجَديدِ تُصبِحُ الآياتُ البَيِّنةُ تَهديداً يَستَدعي تَغطِيَتَها لا استِقبالَها. ثُمَّ يَأتي الجَذرُ (ك-ف-ر) لِيُسَمِّيَ الفِعلَ في جَوهَرِه: تَغطِيةٌ تَمتَدُّ لا إنكارٌ عابِر. فالآيةُ تَصِفُ تَسَلسُلاً في عَشرِ كَلِمات: أُنزِلَت آياتٌ تُضيءُ من نَفسِها، ثُمَّ فَسَقَ بَعضٌ فخَرَجوا من مَسارِهِم، ثُمَّ غَطَّوا ما يُعيدُهُم إلَيه. والحُكمُ المُستَخلَصُ أنَّ الدّاءَ في المَوضِعِ لا في الدَّليل، ومَن عَرَفَ هذا لم يُعالِجِ الكُفرَ بِمَزيدٍ من البَيِّناتِ وَحدَها.