البروج · الآية 16

﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ

«فعّال»: الفعلُ الذي لا يُعلَق بين الإرادة والوقوع

صيغةُ «فعّال» بالتضعيف صيغةُ كثرةٍ واستمرار، والفعلُ منهمرٌ منه بتواصُل، من غير أن يفعلَ فعلةً واحدةً ثمّ يتوقّف. والجذرُ ف-ع-ل، كما وردَ في الآية السابعة، خروجٌ من الداخل إلى أثرٍ في الواقع، والأثرُ هنا لا يتوقّف.

وفي هذه السورة التي رصدت فعلَ أصحاب الأخدود «يفعلون» جاء هذا الوصفُ ليضعَ الفِعلَ في ميزانٍ صحيح، فهم كانوا يفعلون، غيرَ أنّهم لم يكونوا «فعّالاً لما يُريدون»، وكانت إرادتُهم تُغطّي ما يَرَونه وتَعجِزُ عمّا لا يَرَونه. وأمّا الجهةُ الأخرى ففعّالٌ لما يُريد، كلَّ ما يُريد.

«لما يُريد»: الإرادةُ التي لا يَصدُّها صادٌّ

و«يُريد» من ر-و-د، وهو السيرُ في طلبٍ حتى تُصابَ الغاية، والرائدُ هو الذي يَسيرُ ليجدَ ما يُبلَّغُ به قومُه. غيرَ أنّ هذه الإرادةَ في الآية إرادةُ «فعّال»، فكلُّ ما أُريدَ وقع، وليست إرادةَ طالبٍ قد يخيب.

وهنا يكتملُ قوسُ الآيات: البطشُ الشديد، والإبداءُ والإعادة، والغفورُ الودود، وذو العرش المجيد، كلُّ ذلك صادرٌ من «فعّالٍ لما يُريد»، وما منها واحدةٌ محدودةٌ بما لم يُرَد، ولا واحدةٌ بلا أثرٍ في الواقع.


حَصيلة

ثلاثُ كلمات تُغلقُ سلسلةَ الصفاتِ التي امتدّت من الآية الثانية عشرة: فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾. و«فعّال» صيغةُ مبالغةٍ من -ف-ع-ل-، يُرادُ بها مَن الفعلُ طبيعتُه المتواصلةُ بلا فجوة، دون مَن يفعلُ أحياناً. و«يُريد» من -ر-و-د-، وهو السيرُ في طلبٍ حتى يُصابَ المقصود، والجمعُ بين «فعّال» و«لما يُريد» يُلغي الفجوةَ بين الإرادة والوقوع. وفي سورةٍ رصدت «يفعلون» فعلَ أصحاب الأخدود جاء هذا الختامُ ليضعَ الفعلَ في ميزانِه، فأصحابُ الأخدود أرادوا، غيرَ أنّ إرادتَهم التقت بحدودٍ لم يُدركوها، وأمّا هذه الجهةُ فلا يتخلّفُ فيها الفعلُ عن الإرادة، والبطشُ والغفرانُ والإبداءُ والإعادةُ والجنّاتُ كلُّها من هذا الفعّال، ما منها واحدةٌ مشروطةٌ بما لم يُرَد، ولا واحدةٌ مُعلَّقةٌ بين الإرادة والوقوع.