البروج · الآية 15

﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ

«ذو العرش»: الإحاطةُ المرفوعة

والعرشُ من ع-ر-ش، وأصلُه رفعٌ إلى موضعِ استواء، والعينُ فيه تَقبضُ من العمق، والراءُ تجري وتتكرّر، والشينُ تُفرّقُ ما تحتها وتُشيعُه، فالعرشُ ما ارتفعَ حتى استوى عليه ما تحته في نطاقه. والبستانُ المعرَّشُ ما أُقيمَ فوقه ما يُظلّله ويُحيط به.

فالمرادُ بـ«ذو العرش» إذن أنّه صاحبُ البناءِ الأعلى الذي يَستوي به المحيطُ على ما تحته، ولا تُثبتُ العبارةُ لله مكاناً محدوداً. وقد وصفت السورةُ في الآية التاسعة السماواتِ والأرضَ داخلةً في ملكِه، ثمّ أتى هذا الوصفُ يُضيفُ إلى ذلك المُلكِ الأفقيّ مُلكاً من علوٍّ يَستوي.

«المجيد»: الثقلُ الذي يَملأُ قبل أن يُعلَن

والمجدُ مادّتُه م-ج-د: الميمُ تجمعُ وتُلصق، والجيمُ تجمعُ وتَبرزُ من العمق، والدالُ تَدفعُ وتُثبّت، فالمجدُ تجمُّعٌ يَبرزُ من العمق ويثبتُ في أثره. وهو في لسانِ العرب الكثرةُ والسعةُ والشرفُ المتمكّن، دون المُتكلَّفِ والمُدَّعى.

والمجيدُ صفةٌ لله جاءت هنا في موضعِ الختم، بعد الغفور والودود وبعد ذي العرش، وكأنّ الآيةَ تقولُ إنّ كلَّ ما سبقَ من صفاتٍ بريءٌ من الضيقِ والمحدوديّة، صادرٌ عن مجدٍ واسعٍ يَملأُ ما وُجِد قبل أن يُحسبَ.


حَصيلة

وصفانِ يُتمّانِ سلسلةَ الأسماء التي بدأت بالآية الثانية عشرة: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾. فـ«ذو» تُثبتُ صاحباً ومالكاً، و«العرش» من -ع-ر-ش- ما يُرفعُ ويَنتشرُ حتى يُحيطَ بما تحته، وفي لسان العرب أنّ تعريشَ الكرمةِ رفعُ ما يَستوي فوقَها ويُظلّلُها. والعرشُ على هذا هو الإحاطةُ المرفوعةُ التي يَستوي فيها المحيطُ على ما تحته، لا مقعدٌ محدود. وقد قالت الآيةُ التاسعة إنّ له مُلكَ السماوات والأرض، ثمّ جاءت هذه الآيةُ بالبُعد الرأسيّ، أي بمُلكٍ من علوٍّ يَستوي. ثمّ «المجيد» من -م-ج-د-، وهو تجمّعٌ يَبرزُ من العمق ويثبتُ في ثقلٍ وسعة، والمجيدُ من يَملأُ فضاءَه قبل أن يُعلَن عنه، لا من يَدَّعي الشرفَ. ومن هذا المجدِ الواسعِ المرفوع تصدرُ الغفرانُ والودُّ والبطشُ والجنّات كلُّها.