الطارق · الآية 8

﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ

«إنَّهُ» الضَّميرُ يَكشِفُ مَن طَوى نَفسَه

الآيتانِ السّابِقَتانِ بَنَتا الفِعلَ مَبنِيّاً للمَجهول: «خُلِق» مَرَّتَين. الفاعِلُ مَطوِيّ. والآنَ يَعودُ الضَّميرُ في «إنَّهُ» إلى ذلك المَطوِيّ، ويَكشِفُ عنه دونَ أن يُسَمِّيَه. الذي خَلَقَ هو الذي يَستَأنِفُ في هذه الآيةِ ضَميراً، فيَدخُلُ المَشهَدَ بَعدَ أن كانَ خارِجاً عنه في الظّاهِر.

وفي ذَلكَ بَلاغَةُ القُرآن: لا يُسَمّى الفاعِلُ في كلِّ آيَة، بَل يُؤَخَّرُ ذِكرُه إلى مَوضِعِه. الإنسانُ في الآيتَينِ السّابِقَتَينِ يَتَأَمَّلُ مادَّتَه، فلا يُلتَفَتُ إلى صانِعِه. والآنَ، بَعدَ التَّأَمُّلِ، يَلتَفِتُ الكَلامُ إلى الصّانِع: إنَّه. الإصغاءُ إلى المادَّةِ يَقودُ إلى الإصغاءِ إلى الصّانِع.

«رَجعِه»: الإعادَةُ، لا الانعِكاسُ فَحَسب

«رَجع» في العربيّةِ من «رَجَعَ» = عادَ. والمَصدَرُ «رَجع» يَدُلُّ على فِعلِ الإعادَة، لا على الحالَةِ بَعد. أي إعادَتُه، إرجاعُه إلى ما كانَ علَيه. وفي السورةِ نَفسِها يَعودُ الجِذرُ في الآيةِ الحاديَةَ عَشرَة: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. السَّماءُ نَفسُها ذاتُ رَجع. ما يَخرُجُ يَرجِعُ، وما يَنزِلُ يَعود.

والإنسانُ، الذي خَرَجَ من ماءٍ دافِقٍ، يُمكِنُ أن يُرَدَّ إلى أَصلِه. الذي أَخرَجَه قادِرٌ على رَدِّه. لا تَتَكَلَّمُ الآيةُ عن آلِيَّةِ الرَّجع، بَل عن قُدرَةِ الذي يَرجِع. فَتَأَمُّلُ المادَّةِ في الآيتَين السّابِقَتَين هَيَّأَ السَّمعَ لِسَماعِ هذه القُدرَة.

«لَقادِر»: لامُ التَّأكيدِ مَعَ اسمِ الفاعِل

«قادِر» اسمُ فاعِلٍ من «قَدَرَ» = حَدَّدَ القَدرَ، أَتَمَّ الشَّيءَ على قَدرِه. والقُدرَةُ في العربيّةِ ليسَت مُجَرَّدَ القُوَّة، بَل القُوَّةُ المَوصولَةُ بِالحِكمَةِ التي تُحَدِّدُ مَوقِعَ الفِعلِ ومِقدارَه. القادِرُ مَن يَفعَلُ على قَدرٍ مُعَيَّنٍ بِغَيرِ زِيادَةٍ ولا نُقصان.

واللامُ في «لَقادِر» لامُ التَّأكيد، تَدخُلُ على خَبَرِ «إنّ». فاجتَمَعَ في الجُملَةِ مُؤَكِّدانِ: «إنّ» في الافتِتاح، واللامُ في الخَبَر. وكأنَّ الآيةَ تَخَتِمُ ما سَبَقَ بِعَقدٍ مَتين: ما تَأَمَّلتَه في مادَّتِكَ، ليسَ مُنتَهى، فالذي بَدَأَ قادِرٌ على أن يُعيد.


حَصيلة

تبني هذه الآيةُ على ما تقرَّرَ من تأمُّلِ الأصل: إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. الضميرُ «إنّه» يَكشفُ مَن كانَ مَطوِيّاً في «خُلِق» المبنيِّ للمجهولِ في الآيتَين السابقتَين: الذي خلقَ يدخلُ المشهدَ الآنَ ضميراً بعدَ أن كانَ ظاهرُه مَطوِيّاً. والتأكيدُ مضاعَف: «إنّ» في الافتتاح، ولامُ التأكيدِ في «لَقادِر». «الرَّجع» من -ر-ج-ع- الإعادةُ إلى ما كان؛ والجذرُ نفسُه يعودُ في الآيةِ الحادية عشرة واصفاً السماء. «قادِر» من -ق-د-ر- القوّةُ الموصولةُ بالحكمةِ التي تُحدِّدُ موقعَ الفعلِ ومقدارَه: القادرُ يفعلُ على قَدرٍ لا زيادةَ فيه ولا نقصان. فمَن أخرجَ الإنسانَ أوّلَ مرّةٍ من ماءٍ دافقٍ قادرٌ على ردِّه. التأمُّلُ في المادّةِ يُفضي إلى الإقرارِ بالقدرةِ على الإعادة.