الطارق · الآية 6

﴿خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ

«ماء»: الجِنسُ، لا التَّعيين

«ماء» في العربيّةِ تَجمَعُ كلَّ سائلٍ على هَيئَةٍ من السَّيَلان، وهي في الآيةِ نَكِرَةٌ غَيرُ مُعَرَّفَة: «ماءٍ» دونَ «الماءِ»، والنَّكِرَةُ هنا تَجعَلُ الكَلامَ عاماً عَلى الجِنس، من غَيرِ تَخصيصٍ لِنَوعٍ بِعَينِه، وما يُعَيَّنُ منه هو وَصفُه بـ«دافِق».

وتُجيبُ الآيةُ عن سُؤالِ الآيةِ السّابِقَة فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ في غايَةِ الاختِصار، ولو كانَت تَتَّجِهُ إلى تَفاصيلَ تَشريحيَّةٍ مَخصوصَةٍ لَأَطالَت، غَيرَ أنَّها تَكتَفي بصورَةٍ واحِدَة وتَترُكُ التَّفاصيلَ خارِجَ النَّصِّ، فالإنسانُ مَدعُوٌّ إلى التَّأَمُّلِ في صورَةٍ بَسيطَة: من ماءٍ يَتَدَفَّقُ خُلِق.

«دافِق» اسمُ فاعِلٍ من الدَّفق

و«دافِق» اسمُ فاعِلٍ من «دَفَقَ»، ومَعناه اندَفَعَ بِشِدَّة وانفَلَتَ من حَبسٍ بِقُوَّة، فالدَّفقُ خُروجٌ قَوِيٌّ، ويُفارِقُ السَّيَلانَ الهادِئ. والماءُ الدّافِقُ ما يَنحَدِرُ بِشِدَّةٍ من مَكانٍ كانَ يَحتَبِسُه فيَخرُجُ في مَجرى مُفاجِئ، ومنه «انْدَفَقَ السَّيلُ» إذا أَفلَتَ من سُدودٍ كانَت تَحبِسُه.

وتَكشِفُ الصِّفَةُ ما لا يَكشِفُه الاسمُ المُجَرَّد، فلو قِيلَ «من ماءٍ» فَحَسب لَصارَتِ الصورَةُ ساكِنَة، و«دافِق» تُحَرِّكُ الماءَ وتَجعَلُه ذا اتِّجاهٍ وذا قُوَّةٍ تَنفُذ. فالإنسانُ المَخلوقُ من ماءٍ دافِقٍ مَأخوذٌ من حَرَكَةٍ مُنفَلِتَةٍ من حَبسِها، غَيرُ مَأخوذٍ من سُكون.

إعادَةُ الفِعلِ المَجهول: «خُلِق»

وتُعادُ «خُلِق» هُنا كَما جاءَت في الآيةِ السّابِقَة، مَبنيّةً للمَجهول مَطوِيّاً فاعِلُها. ولا تَنشَغِلُ الآيةُ في هذا المَوضِعِ بِتَسمِيَةِ الخالِق، وتَتَّجِهُ إلى المادَّةِ التي خُرِجَ منها الإنسان، والتَّعريفُ بالخالِقِ يَأتي في مَواضِعَ أُخرى من الكِتاب، وأمّا في هذه الآيةِ فالإنسانُ مَأمورٌ بأن يَنظُرَ إلى أَصلِه قبلَ أن يَنظُرَ إلى مَن أَخرَجَه منه.

وفي إعادَةِ «خُلِق» مَرَّتَين، مَرَّةً في الآيةِ الخامِسَةِ سُؤالاً ومَرَّةً هنا جَواباً، يَتَبَيَّنُ بِناءُ السورة، وهو أنَّ السُّؤالَ يَستَخدِمُ الفِعلَ نَفسَه الذي يَستَخدِمُه الجَواب، ولا يُؤتى بفِعلٍ جَديد، فكأنَّ الجَوابَ مَلفوفٌ في السُّؤال، يَنبَغي أن يُفَكَّ غِطاؤُه فَحَسب.


حَصيلة

يُجيبُ جوابٌ مختصرٌ عن سؤالِ الآيةِ الخامسة: خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾، فكلمتانِ تكفيان، كما اكتفَتِ الآيةُ الثالثةُ بكلمتَين لتُعرِّفَ الطارق. و«ماء» نكرةٌ موصوفةٌ بنكرة، وعُدِلَ عن «الماء» المُعرَّف إلى «ماءٌ» يُحدَّدُ جنسُه بوصفِه «دافق». و«الدفق» من -د-ف-ق- اندفاعٌ بشدّةٍ وانفلاتٌ من حَبسٍ بقوّة، وهو خروجٌ مُفاجئٌ كاندفاعِ السيلِ حين يُفلتُ من سُدود، غيرُ السيلانِ الهادئ. واسمُ الفاعل «دافق» يُحرِّكُ الصورةَ ويجعلُها ذاتَ اتّجاهٍ وقوّةٍ نافذة. والفعلُ «خُلِق» مبنيٌّ للمجهولِ مرّةً ثانية كما في الآية الخامسة، والآيةُ في هذا الموضعِ تتّجهُ إلى المادّةِ التي كانَ منها الإنسانُ قبلَ أن يكون ما هو، دونَ أن تنشغلَ بتسميةِ الخالق. وتُكمِلُ السورةُ البنيةَ: طَرحَت فسألَت فأجابَت بصورةٍ واحدة بسيطة.